الذي حُرِّم جسده على النار

بقلم: د. ياسر جعفر
في زحمة الحياة وتعقيداتها، يبقى السعي نحو نجاة الأنفس وفلاحها الهدف الأسمى الذي يتطلع إليه كل مؤمن. ولكن أي طريق يهدي المرء إلى هذه النجاة؟ وأي خصال تجعل الجسد حرامًا على النار؟
يجيبنا الرسول الكريم ﷺ بمفتاح واضح وسهل، لكنه يتطلب إرادة صادقة وقلبًا مخلصًا: الخلق الحسن. ففي حديث نبوي عظيم، يبشر ﷺ أن من يتحلى باللين والسّهولة والقرب من الناس، تصير النار عليه حرامًا!
فهل هناك أشخاصٌ حُرِّم جسدُهم على النار! هل هؤلاء الأشخاص هم المصلون أو الصائمون أو غيرهم؟! نحن في شهر رمضان، شهر الكرم والجود والمنح الربانية، نقدم للأمة الإسلامية منحةً ربانيةً من السنة النبوية، منحةً غاليةً لا تُقدَّر بمليارات الدنيا؛ عملٌ سلوكي أخلاقي لو نفَّذه الإنسان في حياته، حُرِّم جسده على النار. ففي الحديث النبوي الشريف الذي رواه عبدالله بن مسعود: «حَرُم على النارِ كلُّ هيِّنٍ لَيِّنٍ سهلٍ قريبٍ من الناسِ» (أخرجه الترمذي والطبراني).
وفي رواية أخرى: «أَلَا أُخْبِرُكُم بِمَن تَحْرُمُ عليه النَّارُ؟ على كلِّ قريبٍ هيِّنٍ سَهْلٍ»(رواه الترمذي).
هل هناك منحٌ مثل هذه المنح لِتجنُّب النار؟ المطلوب منك أن تكون صاحب خُلُقٍ طيب، وقلبٍ رحيمٍ ودود، غير متشدد في آرائك وأقوالك، ليِّنًا في وقت الغضب، متساهلًا ومتسامحًا مع الناس. هل هذا صعب؟!
طلبٌ سلوكي وأخلاقي بسيط لتجنب دخول النار؛ دعوةٌ للجميع من الآن أن يتمسكوا بالأخلاق الحسنة، ولين القلب، وسهولة الكلام، وبساطة الأمور. يا لها من منحٍ ربانية عظيمة!
لقد حثَّ الإسلامُ على الأخلاق الحسنة في معاملة الناس، فرغَّب في حُسن معاشرتهم واللين معهم. وفي هذا الحديث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ على النارِ؟» أي يُمنَعُ عنها، ثم يوضح صفة المُعافى منها بقوله: «على كلِّ قريبٍ هيِّنٍ سهلٍ»، أي: القريب إلى الناس، اللين في تعامله، السهل في أخلاقه.
حال الأمة اليوم يستدعي التدارك والتشارك لا الخلاف والتعارك. إذا كُنَّا راغبين حقًّا في نجاة أنفسنا وأمتنا، فلنتمثَّل حقائق الدين عمليًّا في شؤون حياتنا، ونتعاطى معه بفهم سلف الأمة الذين تلقوه عذبًا سلسًا. فإن الإسلام دين حياة، لا يقتصر على المسجد فحسب، بل يشمل البيت والشارع والعمل والأسواق، وفي كل حركةٍ وسكون.
من أوجب الواجبات علينا اليوم أن نرد للدين هيبته، وذلك بالتمسك به وجعله شعارًا ودثارًا. فلكلٍّ منا موعدٌ لن نخلفه يوم يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا بين يدي الله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41].
ما أحوجنا إلى هذا الخلق العالي الذي يضفي على الحياة جمالًا وسعادةً وطمأنينة! والسماحة في الاصطلاح: بذل ما لا يجب تفضُّلًا، أو التسامح في المعاملات بتيسير الأمور. قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]. وقال أهل العلم: «هذه الآية جامعةٌ لحسن الخلق مع الناس».
الخلق الحسن يُذيب الخطايا كالشمس تذيب الجليد، والخلق السيئ يُفسد العمل كالخل يُفسد العسل. وفي الحديث: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ؟ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ»، أي: السهل في قضائه وبيعه وشرائه، القريب من الناس بلُطفه.
من الآن، ننادي بحسن الخلق في جميع المؤسسات والمجالات: الحكومية والخاصة. فحسن الخلق منزلةٌ عاليةٌ في الإسلام، وصفةُ النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. وقد روى الترمذي: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ».
فليكن زادُنا الكلمة الطيبة، وطيب المعاملة، حتى ننال شهادة الناس يوم القيامة، ونفوز بجنات النعيم.