الصيامُ.. من مَحْبِسِ الجوع إلى فضاء التقوى

بقلم: د. ياسر جعفر
ليس الصيام مجرد انقطاعٍ بيولوجي عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ بل هو رحلةٌ شعورية عميقة، وجوهرٌ تعبدي تلخصه آيةٌ واحدة وضعت النقاط على الحروف: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. إنها الغاية الأسمى التي تجعل من الصوم “مدرسةً” لا “سجنًا”، و”تزكيةً” لا “تعذيبًا”.
التقوى .. الغاية لا الوسيلة
في آية الصيام المحكمة، يوجهنا الحق سبحانه وتعالى إلى أن الجوع ليس مقصودًا لذاته، بل هو وسيلة لتهذيب النفس وتطويعها. الصيام عبادةٌ سرية بين العبد وربه، مطلعٌ فيها على النوايا، ومربيّةٌ على الصبر والخُلُق الرفيع. وإذا كان العلم الحديث يرى في الصوم “ترياقًا” صحيًا لتجديد الخلايا وتقوية المناعة، فإن شريعة السماء تراه “ترياقًا” للأرواح من أدران المعاصي.
يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]
فلسفة الترك: لماذا نترك المباح ونقع في الحرام؟
من المفارقات العجيبة أن يمتنع الصائم عن “الحلال” (الطعام والشراب) طاعةً لله، ثم يقع في “الحرام” (الغيبة، الكذب، الظلم)! وهنا يأتي التحذير النبوي الشريف ليعيد بوصلة الصيام إلى مسارها الصحيح.
ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه:«مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به والجَهْلَ، فليسَ لِلَّهِ حاجَةٌ أنْ يَدَعْ طَعامَهُ وشَرابَهُ» [صحيح البخاري]
إن الصيام الحقيقي هو صيام الجوارح قبل البطون؛ صومٌ عن أكل أموال الناس بالباطل، وعن الرشوة، والربا، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور.
فربَّ صائمٍ ضيَّع أجره بلسانه، كما ورد في سنن ابن ماجه: «رُبَّ صائمٍ ليس له مِن صِيامِه إلَّا الجُوعُ».
رمضان .. دورة تدريبية لعامٍ كامل
لا ينبغي أن تكون التقوى “ثوبًا موسميًا” نرتديه في رمضان ونخلعه بعده، بل هو شحنة روحانية تمتد آثارها لسنة كاملة. يخرج منها العبد طاهر القلم واللسان والجوارح، مستحضرًا قوله صلى الله عليه وسلم: «وإذا كان يومُ صَومِ أحَدِكم فلا يَرْفُثْ، ولا يصخَبْ، فإن سابَّه أحدٌ، أو قاتَلَه، فليقُلْ: إنِّي امْرؤٌ صائِمٌ»
وفي رواية أخرى: «فإنِ امرؤٌ شاتَمَه أو قاتَلَه، فلْيَقلْ: إنِّي صائِمٌ، إنِّي صائِمٌ».
خاتمة الآيات .. إعجاز الغاية
لو تأملت في بناء السورة لوجدت ترابطًا مذهلًا؛ بدأت آيات الصيام بـ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وختمت بـ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، لتؤكد أن التقوى هي “خير الزاد” وأكرم لباس يرتديه المؤمن.
قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى﴾.
وقال سبحانه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾.
وجعلها ميزان التفاضل الوحيد: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
ولعل خير ما نختم به هو تعريف ابن مسعود الجامع لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، حيث قال:
”أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفَر”.
فلنجعل من صيامنا بوابةً للتقوى، ومن رمضاننا محطةً لتغيير الذات، ولنسمُ بنفوسنا فوق المظاهر لنصل إلى جوهر العبادة.


