بينهم مُضيّع ماله وصابر على الأذى .. 3 فئات يدعون الله فلا يُستجاب لهم

بقلم: د. ياسر جعفر
في قراءة إيمانية وتربوية عميقة، يسلط الدكتور ياسر جعفر الضوء على حديث نبوي عظيم الشأن، يضع النقاط على الحروف في مسألة “استجابة الدعاء” وعلاقتها بسلوك العبد وتصرفه في شؤونه الحياتية.
يروي الحديث علي بن حمشاذ العدل، ثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيها ماله).
هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد: “ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين” وقد اتفقا جميعاً على إخراجه.
أولاً: الاستمرار مع سيئة الخُلق .. فيروس يهدد كيان الأسرة
يوضح د. ياسر جعفر أن الفئة الأولى هي “رجل له زوجة سيئة الخلق واستمر في العشرة معها ولم يطلق”. إن البقاء في هذه العلاقة يجلب المصائب على الأسرة والمجتمع؛ فالمرأة سيئة الخلق تُعد بمثابة “فيروس وبائي خطير” يؤثر على تربية الأولاد ويصيب الزوج بالأمراض المزمنة.
ويستشهد الكاتب بحديث عبد الله بن عمر في صحيح البخاري: (إنَّما الشُّؤْمُ في ثَلاثَةٍ: في الفَرَسِ، والمَرْأَةِ، والدَّارِ)، والمقصود هنا المرأة سليطة اللسان أو غير القانعة، فهي سبب للتعاسة، بخلاف “المرأة الصالحة” التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((الدنيا متاعٌ، وخيرُ متاعِ الدنيا المرأةُ الصالحةُ)).
كما حذر المقال من ((خضراء الدمن))، وهي ((المرأة الحسناء في منبت السوء))، مستعرضاً صفات ذميمة حذرت منها السنة النبوية:
• رفض الفراش: لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح)).
• عدم الاحتشام: لقوله صلى الله عليه وسلم: ((صنفان من أهل النار لم أَرَهما… ونساء كاسيات عاريات مُميلات مائلات… لا يدخلنَ الجنة ولا يَجدن ريحها)).
• التشبه بالرجال: لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمُتشبِّهات من النساء بالرجال)).
• النياحة: لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لطم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية)).
• المبالغة في الحداد: لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تُحِدُّ امرأة على الميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا”.
• الواصلة والواشمة: لقول ابن عمر: “لعن النبي صلى الله عليه وسلم الوَاصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ، والوَاشِمَةَ والمُسْتَوشِمَةَ”.
• النامصة والمتنمصة: لقول ابن مسعود في لعن النامصات والمتنمصات والمغيرات خلق الله، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
ويختتم هذا المحور بقصة إبراهيم عليه السلام مع ابنه إسماعيل ونصيحته بـ “تغيير عتبة بيته” (أي زوجته) لعدم رضاها بالمعيشة، مؤكداً أن سوء الخلق يجلب “القرين” والشياطين للبيت، مما يولد الهموم والأحزان.
ثانياً: التفريط في الحقوق.. إقراض المال دون إشهاد
الفئة الثانية التي لا يُستجاب دعاؤها هي “رجل أعطى رجلاً مالاً ولم يشهده”، أي لم يوثق حقه بالأوراق والشهود. هنا يؤكد د. ياسر جعفر أن الدعاء لا يُستجاب لأن الشخص لم يأخذ بالأسباب الشرعية التي جاءت في “آية الدين” بسورة البقرة.
يخاطب الله عباده بصفة الإيمان قائلًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾. لقد شرع الإسلام التداين لمساعدة المحتاجين، ولكنه جعل للمال حرمة توجب حفظه بالكتابة منعاً للإنكار والجحود، وسداً لأبواب الخلاف عند ضعف الذمم.
وقد أمر المولى أن يتولى الكتابة كاتب بالعدل: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾، لضمان الدقة والحيدة المطلقة، ونهى الكاتب عن الامتناع: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، وفاءً لشكر نعمة العلم وإحساناً للخلق.
ثالثاً: إيتاء السفهاء الأموال.. تضييعٌ لقوام الحياة
الفئة الثالثة هي “رجل أعطى السفيه أمواله”، والسفيه هو من لا يحسن التصرف في المال لنقص في عقله (كالمجنون) أو لعدم رشده (كالصغير).
يقول تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: 5].
نهى الله الأولياء عن تسليم الأموال للسفهاء خشية إتلافها، لأن المال هو “قوام” مصلحة الدين والدنيا. وأمر الله الولي أن:
• ينفق عليهم من المال (كسوة ورزقاً).
• يقول لهم قولاً معروفاً يطيب خاطرهم.
• يعمل في أموالهم كما يعمل في ماله الخاص من حفظ وتصرف حكيم.
وتشير الآية إلى قبول قول الولي فيما يدعيه من نفقة بالمعروف لأنه “مؤتمن”، ولزم شرعاً قبول قول الأمين.
خلاصة المقال: إن استجابة الدعاء ترتبط وثيقاً بحسن التصرف واتباع الأوامر الإلهية في الحفاظ على استقرار الأسرة وحماية الأموال والحقوق.

