خمس ساعات تسقط فيها الأقدار .. السر المخفي في ليلة النصف من شعبان

بقلم: د. ياسر جعفر
يطل علينا شهر شعبان بنسماته المباركة، حاملاً معه فيوضات الخير والسعادة، فهو الشهر الذي تُرفع فيه الأعمال إلى الله تعالى، والمدخل الإيماني لاستقبال شهر رمضان المعظم. وفي قلب هذا الشهر، تتلألأ ليلة النصف من شعبان؛ تلك الليلة التي يغفل عنها كثير من الناس، رغم كونها “منحة ربانية” لا تُقدر بثمن لغسل الذنوب وفتح أبواب الأنوار والعافية وراحة البال.
نفحات نبوية في فضل الليلة
تتجسد عظمة هذه الليلة فيما رواه عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: (يطَّلِعُ اللهُ عزَّ وجلَّ إلى خلقِه لَيلةَ النَّصفِ مِن شعبانَ، فيغفِرُ لعبادِه إلَّا لِاثنَينِ: مُشاحنٍ، وقاتلِ نفْسٍ). وفي رواية أخرى تأكيد على نزول الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله ليغفر لخلقه، وهي دعوة صريحة لاستنهاض الهمم وتعمير الأوقات بالطاعة.
تحذير : المحرومين من المغفرة
الشحناء وقتل النفس
رغم سعة الرحمة الإلهية، إلا أن هناك صنفين يُحرمان من هذا العطاء:
المشاحن: وهو صاحب القلب المليء بالحقد والحسد، الذي يحمل الخصومة والبغضاء لإخوانه المسلمين.
قاتل النفس: الذي استباح الدم الحرام، فغلظت قلبه القسوة والشر.
إن الشحناء ليست مجرد خلاف عابر، بل هي داء يدمر الفرد والمجتمع، وقد حذرنا منها النبي ﷺ بقوله: “تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا” (رواه مسلم).
أسباب الشحناء وكيف يتلاعب الشيطان بالقلوب؟
تتعدد الأسباب التي توغر الصدور، ومن أبرزها:
تحريش الشيطان: تنفيذاً لقوله تعالى: (وَقُل لّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ)، فالشيطان يسعى للتفريق بين الآباء والأبناء، والإخوة، والأزواج.
الغضب والحسد: اللذان وصفهما النبي ﷺ بـ “داء الأمم”، فالحسد تمني زوال النعمة، والغضب إذا كُتم تحول إلى حقد دفين.
الهوى والجدال المذموم: خاصة في الأمور التافهة كالمباريات وأمور اللهو، مما يحول النقاش إلى انتصارات شخصية زائفة.
التنافس على الدنيا: التي ترهق أصحابها وتورث التدابر والتباغض.
النجوى وكثرة المزاح: التي توغر الصدور وتسبب الفرقة.
آثار مدمرة وعواقب وخيمة
إن للشحناء آثاراً كارثية، منها الفشل وذهاب القوة لقوله تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)، والوعيد بسوء الخاتمة لمن مات وهو هاجر لأخيه، بالإضافة إلى تأخير مغفرة الذنوب، فالمشاحن يبقى معلقاً في كل اثنين وخميس، وفي ليلة النصف من شعبان، حتى يصطلح.
الشرك: الخطر الأكبر الذي يحبط الأعمال
إلى جانب الشحناء، يأتي الشرك بالله كعائق أول أمام المغفرة، وهو أعظم ما نهى الله عنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. والشرك يحبط العمل مهما كثر، وله صور عديدة يجب الحذر منها:
دعاء غير الله، والذبح والنذر لغيره.
الحلف بغير الله تعظيماً، وتعليق التمائم والخيوط.
الطيرة والتشاؤم، والاستسقاء بالنجوم.
خزعبلات السوشيال ميديا: التنجيم والأبراج والادعاءات حول الجن والشياطين التي ينشرها “مرتزقة” الدجل.
الذهاب للسحرة والمنجمين وتصديقهم.
الشرك الخفي: وهو “الرياء”، وبعض الألفاظ التي تخدش التوحيد مثل “ما شاء الله وشاء فلان”.
رسالة إلى كل مشاحن: اغسل قلبك الآن
يا من تحمل في قلبك سواداً تجاه عباد الله، اغسل قلبك قبل ليلة النصف من شعبان. تب إلى الله واتقِهِ، واعلم أن كل شيء بقدر الله. عامل الناس بما يرضي رب العباد، ولا تكن من المحرومين الذين ترفع عنهم المغفرة بسبب “لعاعة” من الدنيا أو تعصب لرأي.
اجعلوا من هذه الليلة محطة للانطلاق نحو حياة ملؤها المودة والتآلف، ونظفوا أرواحكم لتستقبلوا رمضان بقلوب سليمة، بيضاء، نقية، تستحق رحمة أرحم الراحمين.



