مقالات

د ياسر جعفر يكتب : بعد زلزال فنزويلا هل يفيق المارد العربي

​إن ما شهدته الساحة الفنزويلية مؤخراً من أحداث لم يكن مجرد صراع داخلي، بل هو تجسيد حي لسياسة “البلطجة الدولية” التي لا تعترف إلا بمنطق القوة. تلك الأحداث تبعث برسالة واضحة لكل ذي بصيرة: نحن نعيش في زمن تضيع فيه مقدرات الدول بالسطوة، بينما تقف القوى الكبرى موقف المتفرج بانتظار نصيبها من الغنيمة. هذا المشهد يضع الأمة العربية أمام حقيقة حتمية: لا بقاء لنا إلا بوحدة الصف ورص الجبهة الداخلية كـ “رجل واحد” في مواجهة مخططات التمزيق والفتن.

​مخطط “فرق تسد”: من فنزويلا إلى الشرق الأوسط

​لقد وضح الجلي أن هناك مؤامرة كبرى لاشتعال الفتن في الشرق الأوسط، تمهيداً لحرب لا مفر منها. إن أمريكا الصهيونية، التي يبدو أنها بدأت تستغني عن بترول الخليج، تضع عينيها الآن على فنزويلا للاستحواذ على ثرواتها ضمن مخطط مدروس منذ سنين، ضُخت فيه المليارات للسيطرة عليه. هؤلاء المرتزقة لا تهمهم إلا مصالحهم، ولو احترق العالم بأسره. ومن هنا، وجب على الدول العربية الحذر من هذه “العصابة الدولية”، وأن تجتمع على قلب رجل واحد، ففي الاتحاد قوة لا تستطيع أي قوى مرتزقة تمزيقها.

​الداء والدواء: الاتحاد من المعرفة إلى التنفيذ

لقد شخّص علماء الأمة وعامتها “الداء” وهو الفرقة، وحددوا “الدواء” وهو الاتحاد. لكن السؤال المرير يظل قائماً: ماذا تغني معرفتنا للدواء إذا لم نتعاطاه؟ إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى جمع قواها في مختلف المجالات: الدينية الإيمانية، والسياسية الفكرية، والاجتماعية التكافلية، وكذلك العسكرية القتالية.

إننا نتساءل: لماذا نغفل الجانب العسكري الخطير، رغم وجود رجال يتقنون هذا الفن في الأمة؟ ولماذا يُطرد المجاهدون وهم يقاتلون باسم الأمة وتسفك دماؤهم للدفاع عن حرماتها؟ إن الاتحاد المطلوب هو اتحاد شامل لجميع المسلمين عامة، وللعرب خاصة، تحت راية “لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم”، وبناء جيش عربي قوي تقوده “أم الدنيا” مصر، متكامل في مجالات الصناعة والزراعة، لنكون قوة لا تقهر.

​المؤامرة الكبرى: من العراق إلى الخليج ومصر

حين دخلت الفتنة بيننا، نجح الغرب في انتزاع دول عزيزة كالعراق واليمن وسوريا وليبيا. واليوم، يسعى أعداء الإسلام لتنفيذ مخططات “البيت الأسود” المعدة منذ سنين لتخريب الخليج وتقسيمه، وتسليمه للشيعة الذين ينتظرون لحظة إضعاف مصر -المارد العربي الكبير- لاحتلال الخليج في دقائق معدودة.

لقد حاولوا حصار مصر من ليبيا والسودان وسيناء، ولما فشلوا، اتجهوا إلى فلسطين واتفقوا مع “أم قرنين” (أمريكا) واليهود على تصفية غزة لتهجير شعبها إلى سيناء وإسقاط فلسطين، وهذا “عشم إبليس في الجنة”. إن كل هذه الخطط الشيطانية ستبوء بالفشل بإذن الله، فكما قال تعالى: ﴿ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾.

عبر التاريخ: درس “بدر” و”أُحد” و”الأندلس”
​الاتحاد قوة تؤدي للنصر، والتفرق ضعف يحقق الهزيمة، والتاريخ خير شاهد. ففي “بدر” انتصر المسلمون باتحادهم، وفي “أُحد” تفرقوا بسبب طمع البعض في الدنيا فحدثت الهزيمة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152].

​كما يحذرنا تاريخ الأندلس “الكنز المفقود”، حيث تشرذم المسلمون واستعانوا بأعدائهم، فكانت النتيجة ضياع الملك. واليوم نحذر مما قاله تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46]. إن أعداءنا يصنعون الأحزاب والخونة لنتحول إلى “قصعة” كما تنبأ الرسول صلى الله عليه وسلم: ( يُوشِكُ الأممُ أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلةُ إلى قصعتِها . فقال قائلٌ : ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ ؟ قال : بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيلِ ، ولينزِعنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم ، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ . فقال قائلٌ : يا رسولَ اللهِ ! وما الوهْنُ ؟ قال : حُبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ).

​العودة إلى المنهج: حزمة العصي والأساس المتين
​لقد علّمنا الحكماء قديماً بدرس “حزمة العصي” أن الفرقة تؤدي للانكسار. ووضع الرسول عليه الصلاة والسلام أول دستور للبشرية في المدينة ليجعل من المؤمنين والمهاجرين والأنصار “أمة واحدة من دون الناس”. وقال صلى الله عليه وسلم: (( ترَكت فيكم ما إن تمسَّكتم به، لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسُنتي ))، و (( يد الله مع الجماعة، والشيطان مع مَن يخالف الجماعة )).

​إن سلفنا الصالح لم ينتصروا بكثرة العدد ولا بالصواريخ والقنابل الذرية، بل بالإيمان وتوحيد الصف، حتى أطاحوا بعروش كسرى وقيصر. أما اليوم، فالحالة يرثى لها لاستبدال البعض شرع الله بالقوانين الوضعية والأحزاب والاشتراكية والشيوعية، مما أدى لافتراق الأمة كما ورد في الحديث: ” افترقت اليهود والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة؛ ما أنا عليه وأصحابي “.

نداء الوحدة: المؤمن للمؤمن كالبنيان

​يجب أن نجتمع تحت ظلال ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8]، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك صلى الله عليه وسلم بين أصابعه ). هذا التشبيك هو رمز للتآزر الذي يجعل من المؤمنين يداً واحدة تضرب من حديد كل خائن أو متلاعب بالأمن القومي.

إن حقوق الأخوة الإيمانية تقتضي الحب في الله والبغض في الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: ” مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمَانَ “. كما تقتضي قضاء حوائج المسلمين وسترهم، ففي الحديث: ” الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ… “.

قصة الغابة: الدرس الأخير في النجاة

ولنا في قصة “الفأر والغزال والغراب والسلحفاة” عبرة؛ فلولا اتحادهم وتعاونهم وحيلتهم الذكية لما نجوا من شبكة الصياد. لقد أثبت الفأر أن الصداقة والتعاون ينقذان من الهلاك، وحين تكاتف الأربعة، عادوا جميعاً سالمين.

​إن الأمة العربية والإسلامية اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاتحاد وبناء القوة العظمى التي تحمي بيضتنا ومقدراتنا، وإما التفرق والضياع في غابة المصالح الدولية. فاتقوا الله يا أمة الإسلام واعملوا على ما يجمع الكلمة، فالاتحاد هو أساس السعادة وعماد التقدم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى