حزمٌ نبوي وإرادة مصرية .. حكاية محافظ الدقهلية في ضبط الأسعار

بقلم : د. ياسر جعفر
في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، تبرز عظمة السنة النبوية المطهرة كقانون إنساني متكامل، وضعه رسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم- لتنظيم حركة البيع والشراء، وحماية المجتمعات من غول الغلاء، والاستغلال، وجشع النفوس المريضة التي لا ترحم. إن هذا المنهج ليس مجرد توجيهات دينية، بل هو “دستور اقتصادي” يهدف لتحقيق الانضباط ومنع التلاعب بأقوات الشعوب.
نماذج وطنية مشرفة: الدقهلية نموذجا
وفي سياق تطبيق هذه المبادئ على أرض الواقع، لفت نظري النموذج المشرف الذي يقدمه محافظ الدقهلية اللواء طارق مرزوق؛ فله كل التحية والتقدير على مجهوده الملموس في فرض الانضباط الرقابي بجميع معاملات المحافظة. إن رقابته المشددة على الأسعار، ومواجهته الحاسمة لغش التجار وتلاعب أفران الخبز، تجعلنا نستبشر بوجود قيادات وطنية تعشق تراب هذا الوطن.
إن هذا النموذج المخلص يذكرنا بسيرة الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهو يتفقد الأسواق بنفسه لمنع الغش، وهو ذات المنهج الذي حذرنا منه النبي -صلى الله عليه وسلم- لضمان الشفافية والعدالة.
تحذيرات نبوية من صور الخداع
لقد نظم الشرع أدق تفاصيل البيع والشراء لقطع دابر النزاع والخديعة، حيث روى أبو هريرة -رضي الله عنه-:
«أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: لا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، ولَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ علَى بَيْعِ بَعْضٍ، ولَا تَنَاجَشُوا، ولَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، ولَا تُصَرُّوا الغَنَمَ، ومَنِ ابْتَاعَهَا فَهو بخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أنْ يَحْتَلِبَهَا: إنْ رَضِيَهَا أمْسَكَهَا، وإنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وصَاعًا مِن تَمْرٍ» (صحيح البخاري).
ومن خلال هذا الحديث، نجد نهياً قاطعا عن :
تلقي الركبان: استبصار البضائع قبل وصولها السوق لشرائها بأقل من ثمنها وغبن البائع أو احتكارها على أهل البلد.
البيع على بيع الغير: بإفساد الصفقات القائمة طمعاً في الربح.
التناجش : وهو الزيادة الوهمية في الثمن لخداع المشتري الحقيقي.
بيع الحاضر للبادي: منعاً للاحتكار والسمسرة التي ترفع الأسعار على المستهلك.
تصرية الغنم : وهي صورة من صور الغش البصري بادعاء كثرة اللبن.
السماحة.. مفتاح البركة في الرزق
إن الإسلام لا يكتفي بالمنع، بل يدعو إلى “السماحة” في العطاء والأخذ، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى». وعلق ابن بطال على ذلك بأن السماحة سبب لوجود البركة ونفع الأمة في الدنيا والآخرة.
وفي المقابل، حذر الإسلام من فقدان الورع واللهاث خلف المال دون تمييز مصدره، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام». كما شدد القرآن الكريم على حرمة الأيمان الكاذبة لترويج البضائع، فنزلت الآية الكريمة:
(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعهدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران: 77].
أخلاقيات الأنبياء في الكيل والميزان
لقد كان إيفاء المكيال والميزان جوهر دعوات الأنبياء، كما قال تعالى: (وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [هود: 85].
ولم يتوقف الهدي النبوي عند البيع فقط، بل امتد لحسن القضاء ووفاء الحقوق؛ فحين جاء رجل يتقاضى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأغلظ له، قال الرسول الكريم: «دعُوهُ؛ فَإنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مقَالاً»، بل وأمر بإعطائه أفضل مما كان له، مؤكداً: «فَإنَّ من خَيْرَكُم أَحْسنُكُمْ قَضَاءً». كما كان -صلى الله عليه وسلم- يرجح الميزان عند الشراء، حيث اشترى من جابر بعيراً فوزن له فأرجح.
الصدق أمان.. والكذب محق للبركة
إن القاعدة الذهبية التي وضعها النبي -صلى الله عليه وسلم- لاستدامة التجارة هي الشفافية، حيث قال: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا… فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».
ختاماً، إن الجزاء من جنس العمل؛ فالإنسان الذي يسلك مسلك السماحة والبذل يوسع الله له في رزقه ويقذف في قلبه الغنى والرضا، أما الشح والبخل والتلاعب فلا يجلب إلا الخوف والفقر القلبي مهما كثر المال. لقد آن الأوان أن نطبق شرع الله في جميع معاملاتنا لتستقيم حياتنا ويسود مجتمعنا الأمن والأمان والرحمة.


