مقالات

​محمد الزيني يكتب : حسام عفيفي .. رحل المنصب وبقي الأصل

اعتذار متأخر

في مهنة الصحافة، أصعب مقال يكتبه الصحفي ، هو ذلك الذي يعترف فيه بـ “خطأ التقدير”، لكنه في الوقت ذاته يمثل أسمى أنواع الوفاء.

IMG-20230514-WA0004

​يقولون: “إذا أردت أن تختبر معدن إنسان، فاختلف معه”، فكيف إذا كان خصمك في الخلاف يمتلك سلطة القرار، ولديه من القوة ما يمكنه من الفتك بك، لكنه يختار التسامح ترفعاً، والاحتواء أدبا .

​أكتب هذه الكلمات وفاءً واعترافا بالفضل لنموذج فريد من القيادات، المهندس حسام عفيفي، رئيس مجلس إدارة شركة شمال القاهرة لتوزيع الكهرباء (السابق). أكتبها الآن وهو خارج كرسيه، ليعلم الجميع أن كلماتي ليست نفاقا لمنصب، بل هي شهادة للتاريخ في حق رجل لم يترك منصبه إلا وقد استوطن القلوب التي أحسن إليها.

​كواليس المعركة .. حينما تخدعنا العواطف

​يعلم القاصي والداني في شمال القاهرة للكهرباء أنني خضت معارك ضارية، وقاتلت بشراسة أمام قيادات الشركة، وعلى رأسهم المهندس حسام عفيفي، دفاعا عن موظفة فُصلت من عملها. استقبلتها ووالدها في قلعة الحريات وبيتنا الكبير “نقابة الصحفيين” كنت وقتها مندفعا ، مدفوعا بظنٍ (ثبت خطؤه لاحقا) بأنها تعرضت للظلم ، ولم يكن وقوفي بجانبها إلا لظني انها مظلومة ، وللعلم لم تكن وحدها من تعرضت للظلم بل كان هناك من الفنيين والمهندسين الذين استقبلتهم في قلعة الحريات والذين دافعت عنهم ونشرت مظالمهم ، بل وتحدثت عنهم لوزير الكهرباء السابق د محمد شاكر .

وذلك نفيا لأي شائعات تم تداولها فيما بعد

نعم كان قرار فصلها ظلما وكانت تستحق قرارا أقل من الفصل كالجزاءات والنقل من مكانها ، ذلك أن تقارير وزارة الداخلية أثبتت تورطها في إدارة صفحة تسيء للشركة وقياداتها وتفشي أسرار العمل من “راوتر” منزلها، إلا أنني استمررت في الهجوم اليومي عبر مقالاتي وتقاريري ، وأؤكد أنني لم ولن أندم على كلمة واحدة في كشفي للمخالفات فأنا أول من كشف عن مخالفات هزت الرأي العام وقتها .
والحق أنه كان يتعامل كـ “رجل دولة”، يتقبل كشف المخالفات بصدر رحب ، ويوجه القيادات النزيهة والكفؤة، مثل المهندسة زهراء التي أرى فيها مشروع رئيس شركة قادم للتحقيق والتقصي بحيادية أبهرتني شخصيا .

والحقيقة أن المهندس حسام لم يقابل هجومي ببطش المسؤول، بل كان يخاطبني بنبرة الأب الحكيم قائلاً: «تعال يا أستاذ محمد وأنا سأشرح لك حقائق غائبة».

​انتصار روح القانون وصفعة الغدر

​بفضل تعاطف قيادات مخلصة، على رأسهم المهندس جابر الدسوقي رئيس الشركة القابضة ، ومعالي المهندسة صباح مشالي نائب وزير الكهرباء والمستشار مجدي محمد، تمت الموافقة على عودة الموظفة لظروفها الإنسانية.

وفي مكتب المهندس حسام، رأيت نبل الفرسان ؛ فقد سمح لمن أساءت إليه بالدخول لمكتبه ، وكان جميع القيادات يجمعون على رجوعها لشركة جنوب القاهرة لتوزيع الكهرباء ، أولا لأنها بجانب مسكنها ، ثانيا لأن من سبتهم وشتمتهم وأساءت لسمعتهم ، لايصح أن تجمعهم شركة واحدة ، وأعترف أن هذا الرأي كان هو الرأي الصواب ، لكني استأذنت المهندس حسام أن تستلم عملها في شركة شمال ، وأن تدخل لمقابلته. فقبل ذلك على مضض منه ، وأذن لمن سبته وشتمته أن تدخل مكتبه ، وتختار المكان الذي ترجع إليه ، فقد عرض عليها أن تتسلم عملها في شركة جنوب ، فرفضت ، ثم عرض عليها الشئون التجارية في شمال ، فرفضت ثم عرض عليها قطاع شبرا ، فرفضت ، واختارت أن تتسلم عملها في مصر الجديدة ، وفي كل مرة ينظر الرجل إلي ، وأنا أستسمحه في قبول طلباتها ، حتى نفذ لها ما أرادت .
وهكذا ، منحها حق اختيار مكان عملها، رغم اعتراض الجميع ، تلبية لرجائي وتقديرا لوساطتي .

لكن النفس الشبعانة لا تُقابل إلا من أصلها، والنفس الأمارة لا تنضح إلا بما فيها . فبعد عودتها بشهرين، ومع أول أيام شهر رمضان، فوجئنا بالصدمة فقد نشرت فيديو استغاثة بوزير الكهرباء مضللا يقلب الحقائق ، تحكي فيه من وجهة نظرها تفاصيل اليوم الذي تم فصلها فيه ، ولم أكن أعلم شيئا عن هذا الفيديو ، حتى أرسله لي أحد المديرين بالشركة ، وعلى الفور اتصلت بالراقي ابن الأصول المهندس حسام ، أقسم له ونحن في أول أيام الشهر الفضيل ، أني لا أعرف شيئا عن هذا الفيديو فصدقني الرجل .

وقتها فقط، أدركت صدق بصيرة المهندس حسام حين قال لي بهدوء: «هذا ما قلته لك.. كان عليك أن تترك لعقلك مساحة لتسمع للطرف الآخر قبل أن تندفع خلف روايتها».

اعتذار واجب وكلمة أخيرة

​إنني اليوم، ومن باب احترام قلمي وصدقي مع القارئ، أعلن اعتذاري العلني للمهندس حسام عفيفي، كما أتقدم باعتذار للمهندس السيد سليمان، والشيخ موسى، والأستاذ محمد إسماعيل، والأستاذ سامح عبد العزيز، عن أي تجاوز في حقهم بدافع حماسٍ لم يكن في محله.
​لقد ترك المهندس حسام عفيفي منصبه في شمال القاهرة، لكنه ترك درساً بليغاً في أن القيادة ليست كرسياً وسلطة، بل هي أصل وتربية وترفع. شكرا لمن علمنا أن الخلاف مع الأصلاء.. شرف ، لقد تركتَ المنصب يا هندسة، لكنك تركت لنا درساً بليغاً في أن القيادة أصل وتربية قبل أن تكون قراراً وتوقيعاً .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى