مقالات

عبقرية يوسف الصديق لعبور الأزمات الاقتصادية ومواجهة المجاعة والتضخم

بقلم د ياسر جعفر

إن القصص وسيلة من وسائل جذب القلوب، وإصغاء الآذان، ولفت الانتباه، والناظر إلى القرآن يجد أنَّ الله عز وجل أكثر من القصص فيه، قصص الأنبياء والمرسلين، والأمم السابقة الغابرة، وقصص لأفراد وجماعات، بل سُميت سورة من القرآن بسورة القصص، وما ذاك إلا لأهمية القصة وأثرها على المتلقي وعلى النفس البشرية.

​ومن تلك القصص التي ذكرها لنا الله عز وجل كاملة في سورة واحدة متصلة متناسقة قصة يوسف عليه السلام، والتي قال الله عنها: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3]، وقال في نهاية السورة: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: 111].

​فلسفة الأزمة : من المحنة إلى التمكين

​قصة يوسف هي “أحسن القصص”، ومن أبدعها، وأجملها، وأكثرها إثارة، وتأثيرً على النفس، فهي مليئة بالمواقف والعبر والتحولات؛ من الحرية إلى الرِّق، ومن الاجتماع إلى الافتراق، ومن محنة إلى منحة، ومن سجن وبلاء إلى تمكين وعز بعد ذل، ومن جَدب إلى رخاء. وكما قال العلماء: “ما قرأها محزون إلا سُرِّيَ عنه”.
​لكن الكثير منا قد يمر بهذه القصة مرورًا عابرًا دون تأمل، رغم أن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111]؛ أي لا يستفيد منها إلا أصحاب العقول المتدبرة. وحينما حدثت سنوات العجاف واشتد الفقر بالناس، كان المخرج منها بأسلوب اقتصادي راقٍ وتوجيهات رائدة، تتخلص في الركائز الآتية:

​أولا : الزراعة .. العمود الفقري للسيادة الوطنية

​لا بد من استخدام الزراعة، ليس فقط كتشريف للعمل، بل لما شرف به القرآن الكريم هذا القطاع وعلماءه. فالزراعة هي التي تجعل “رأيك من رأسك ما دام عملك من فأسك”، وهي التي توفر مليارات الدولارات وتغني الدولة عن استيراد القمح والذرة والبقوليات.
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: 63-67].
وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 99].

​ثانيا : العلم والخبرة .. اختيار الرجل المناسب

​أراد يوسف أن ينفع العباد ويقيم العدل، فطلب الولاية بناءً على علمه وذكائه، لا لمجرد الوجاهة. إن نهضة الدول تتوقف على وضع العلماء وأصحاب الكفاءات في المناصب القيادية بعيداً عن “الكوسة والمحسوبيات”.
قال تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: 37].
وقال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55].

​ثالثا : الصدق والأمانة .. جدار الحماية ضد الفساد

​كان يوسف وزير مالية صادقا في أقواله وأفعاله، متبعا منهج آبائه في الاستقامة والتوحيد، وهو ما جلب التوفيق للدولة.
قال تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: 51].
وقال يوسف عليه السلام: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: 38].
ولذلك لُقب بالصديق: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ…﴾ [يوسف: 46].

​رابعا : استقلالية القرار الوطني وعدم التبعية

من أسباب الخروج من الأزمات عدم موالاة من لا يريدون خيرا للأمة، والاعتماد على الذات والإيمان الخالص.
قال تعالى: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف: 37].

خامساً: مواجهة الدجل الإداري ومدعي الخبرة

​في زمن الأزمة، تم القضاء على الكهنة أصحاب الجشع الذين لا يفقهون في العلم شيئاً وكانوا يستولون على قوت الشعوب.
قال تعالى: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: 44].

​سادسا : الحاكم العادل والبحث عن الكفاءات

​حين علم الملك أن يوسف صاحب علم وإخلاص، أمر بإحضاره فورا ، مما يعكس أهمية دور القيادة في تمكين أصحاب الخبرة.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: 54].
​خاتمة:
إن تجربة يوسف عليه السلام في “السنوات العجاف” ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي منهج عملي للدول التي تسعى للنهوض ؛ قوامُه الزراعة، والعلم، والصدق، والقيادة الحكيمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى