من ساحات الحرب إلى 63 ألف غرفة.. كيف تحولت سيناء إلى أحد أبرز مقاصد السياحة في مصر؟

بعد أكثر من 4 عقود على استعادة سيناء، انتقلت شبه الجزيرة من أرض ارتبط اسمها بالصراع العسكري إلى واحدة من أهم ركائز السياحة المصرية، مدفوعة باستثمارات ضخمة في البنية الأساسية والفنادق والمطارات، حتى وصل عدد الفنادق المرخصة بها إلى 236 فندقا بطاقة تتجاوز 63 ألف غرفة.
من انتصار أكتوبر إلى استعادة سيناء
تمثل حرب أكتوبر 1973 محطة فاصلة في تاريخ مصر الحديث، ليس فقط على المستويين العسكري والسياسي، وإنما كذلك في مسار استعادة سيناء وإعادة دمجها تدريجيا في منظومة التنمية الوطنية.
وبعد يونيو 1967، ظلت مساحات واسعة من أرض الفيروز ذات طبيعة عسكرية، وتراجعت فيها مظاهر التنمية المدنية والحركة السياحية. ومع انتصار أكتوبر، بدأ مسار سياسي ودبلوماسي انتهى بتوقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.
واكتمل الانسحاب الإسرائيلي من معظم أراضي سيناء في 25 أبريل 1982، بينما استمرت معركة استرداد طابا حتى صدر حكم التحكيم الدولي في سبتمبر 1988، وعادت المنطقة إلى السيادة المصرية، قبل رفع العلم المصري عليها في 19 مارس 1989.
سيناء تفتح أبوابها أمام السياحة والاستثمار
مع اكتمال استعادة الأرض، بدأت سيناء تتحول تدريجيا من مسرح للصراع العسكري إلى مساحة مفتوحة أمام مشروعات التنمية والاستثمار والسياحة.
ولم تكن هذه المهمة سهلة، إذ تطلبت إزالة آثار الحرب والألغام، وإعادة تأهيل البنية الأساسية، ومد الطرق، وتوفير المياه والكهرباء، وإنشاء المطارات والموانئ، وتهيئة البيئة اللازمة لعودة السكان والنشاط الاقتصادي.
وخلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، بدأت شرم الشيخ في التحول من تجمع سياحي محدود إلى مقصد دولي، بالتوازي مع نمو مراكز الغوص والرياضات البحرية والأنشطة البيئية والمغامرات.
في المقابل، احتفظت دهب بطابعها الخاص الذي جعلها مقصدا للغواصين ومحبي الطبيعة والمغامرات، بينما اكتسبت طابا ونويبع أهمية متزايدة على خريطة السياحة الشاطئية والبيئية.
شرم الشيخ تقود صعود السياحة في جنوب سيناء
مع بداية الألفية الجديدة، دخلت السياحة في سيناء مرحلة أكثر اتساعا، بعد زيادة الاستثمارات في الفنادق والمنتجعات ومراكز الغوص والخدمات الترفيهية.
اقرأ أيضًا
بعد 53 عاما.. وثيقة السادات تكشف توجيهات حاسمة لبدء حرب أكتوبر وتحرير سيناء
وأصبحت شرم الشيخ واحدة من أبرز الوجهات السياحية المصرية، مستقبلة أعدادا كبيرة من السائحين من الأسواق الأوروبية والعربية وغيرها.
كما توسعت أنماط السياحة في جنوب سيناء، لتشمل السياحة البيئية وسياحة المغامرات في المحميات والوديان والجبال، إلى جانب السياحة الروحية في منطقة سانت كاترين والسياحة التاريخية والأثرية.
تحديات أمنية وسياسية وكورونا لم توقف المسيرة
لم تكن مسيرة السياحة في سيناء مستقرة بصورة دائمة، إذ تعرض القطاع لسلسلة من الأزمات، كان من أبرزها التفجيرات الإرهابية التي استهدفت منتجعات طابا وشرم الشيخ ودهب بين عامي 2004 و2006.
كما تأثرت السياحة بما شهدته مصر من اضطرابات سياسية وأمنية بعد عام 2011، ثم تداعيات جائحة كورونا والتوترات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة.
ورغم ذلك، تمكن المقصد السيناوي من استعادة قدرته على جذب الزائرين، مستفيدا من تنوع الأسواق والمنتجات السياحية، إلى جانب استمرار تطوير البنية الأساسية والخدمات والترويج السياحي.
638 مليار جنيه لتنمية سيناء خلال 12 عاما
ومنذ عام 2014، دخلت سيناء مرحلة جديدة من التنمية الشاملة، شملت قطاعات النقل والمياه والكهرباء والزراعة والصناعة والإسكان والسياحة.
وبحسب أحدث بيانات عرضها مجلس الوزراء، جرى تنفيذ 975 مشروعا في شبه جزيرة سيناء خلال الفترة من 2014 إلى 2026، بتكلفة استثمارية بلغت نحو 638 مليار جنيه.
وشملت المشروعات تحسين مستوى معيشة المواطنين، وإنشاء مجتمعات جديدة، وتهيئة البيئة الجاذبة للاستثمار، وتطوير شبكات النقل والمياه والكهرباء والاتصالات.
وسبق أن أعلنت الحكومة استهداف استثمارات جديدة بنحو 400 مليار جنيه، ليصل إجمالي الاستثمارات المستهدفة لتنمية سيناء إلى أكثر من تريليون جنيه.
63 ألف غرفة فندقية ومؤشرات قوية في شرم الشيخ
وفي القطاع السياحي، تعكس الأرقام حجم التحول الذي شهدته سيناء، إذ بلغ عدد الفنادق المرخصة في شبه الجزيرة 236 فندقا بطاقة استيعابية تصل إلى 63 ألفا و613 غرفة فندقية، وفق بيانات منشورة في أبريل 2026.
وفي شرم الشيخ، ارتفعت معدلات الإشغال الفندقي من 36% في يناير 2023 إلى 91% في مايو 2025، بحسب تصريحات محافظ جنوب سيناء.
كما ارتفع عدد الرحلات الجوية الوافدة إلى المدينة من 9051 رحلة عام 2023 إلى 11540 رحلة عام 2024، ثم إلى 14561 رحلة حتى أغسطس 2025.
ووصلت الطاقة الاستيعابية لمطار شرم الشيخ الدولي إلى نحو 9 ملايين راكب سنويا بعد تطوير مبنى الركاب رقم 2، في خطوة تستهدف مواكبة النمو في حركة السفر والسياحة إلى المدينة.
من رأس محمد إلى سانت كاترين.. تنوع يتجاوز السياحة الشاطئية
لا تقتصر جاذبية سيناء على الشواطئ، فهي تجمع بين السياحة البحرية والبيئية والمغامرات والروحانية والتاريخ.
وتبرز محمية رأس محمد، والبلو هول في دهب، ومناطق السفاري والجبال والوديان، إلى جانب دير سانت كاترين وجبل موسى والمواقع الأثرية في شمال وجنوب سيناء.
هذا التنوع يمنح المنطقة قدرة على تقديم تجارب سياحية مختلفة، ويتيح ربط السياحة الشاطئية ببرامج الطبيعة والمغامرات والسياحة الثقافية والروحية.
مسار العائلة المقدسة يفتح نافذة جديدة للسياحة في سيناء
يمثل مسار العائلة المقدسة أحد أبرز المنتجات السياحية الروحية والثقافية التي يمكن أن تربط سيناء بعدد كبير من المواقع المصرية في الدلتا والقاهرة والصعيد.
ووفق المصادر الرسمية، بدأت رحلة دخول العائلة المقدسة إلى مصر من رفح في شمال شرق البلاد، ثم اتجهت إلى الفرما، قبل أن تواصل رحلتها عبر عدد من المواقع وصولا إلى أسيوط، ومنها بدأت رحلة العودة إلى الأراضي المقدسة.
ويبلغ طول المسار نحو 3500 كيلومتر ذهابا وعودة، ويضم 25 نقطة رئيسية في 11 محافظة، ليجمع بين الأبعاد الدينية والتاريخية والثقافية والبيئية.
وتكتسب سيناء أهمية خاصة في هذا المسار باعتبارها بوابة دخول العائلة المقدسة إلى مصر، حيث تمثل رفح ثم الفرما بداية الرحلة داخل الأراضي المصرية وفق الرواية التاريخية والتراث القبطي.
وتعد الفرما، أو بيلوزيوم القديمة، من أهم المواقع الأثرية في شمال سيناء، لما تضمه من بقايا تعكس أهمية المدينة خلال العصور المصرية والرومانية والبيزنطية.
وشهدت المنطقة أعمال تطوير وترميم ضمن جهود إحياء مسار العائلة المقدسة، شملت منشآت وعناصر أثرية، إلى جانب تحسين الطرق والخدمات واللوحات الإرشادية وتجهيز المنطقة لاستقبال الزائرين.
البابا فرنسيس يعزز البعد الدولي لمسار العائلة المقدسة
تبنت الدولة المصرية مشروع إحياء مسار العائلة المقدسة باعتباره مشروعا سياحيا وتراثيا وتنمويا، بالتنسيق بين الجهات المعنية والمحافظات والكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
وشملت جهود التطوير ترميم عدد من الكنائس والأديرة والمواقع الأثرية، ورفع كفاءة الطرق والبنية الأساسية المحيطة بها، وإعداد مواد ترويجية للمسار بعدة لغات.
واكتسب المشروع بعدا دوليا بعد زيارة البابا فرنسيس إلى مصر عام 2017، وما ارتبط بها من إدراج أيقونة العائلة المقدسة في كتالوج الحج المسيحي في الفاتيكان، ثم إدراج مصر ضمن برامج الحج التي تنظمها مؤسسة الحج التابعة للفاتيكان.
وتشير بيانات رسمية إلى أن المشروع يمتد عبر 25 نقطة في 11 محافظة، فيما ساهمت المحافظات ووزارة التنمية المحلية بمئات الملايين من الجنيهات في أعمال البنية الأساسية وتنسيق المواقع، إلى جانب تخصيص وزارة السياحة والآثار 60 مليون جنيه للمشروع وفق بيانات حكومية سابقة.
سيناء أمام مرحلة جديدة من النمو السياحي
وبينما تستمر مشروعات البنية الأساسية وتطوير المطارات والطرق والموانئ، تملك سيناء فرصة لتعظيم العائد من تنوعها السياحي، عبر دمج السياحة الدينية والثقافية مع السياحة النيلية والآثار المصرية القديمة والمقاصد الشاطئية.
ومن شأن هذا التكامل إطالة مدة إقامة السائح، وتوزيع الحركة السياحية على عدد أكبر من المحافظات والمناطق، بما يعزز القيمة الاقتصادية للقطاع.
وهكذا، قطعت سيناء رحلة طويلة من ساحات الحرب إلى مساحات التنمية والسياحة، وأصبحت الأرقام الحديثة للفنادق والرحلات الجوية والاستثمارات مؤشرا على تحول عميق في دور أرض الفيروز داخل خريطة السياحة المصرية.



