أوهام السلام والانتخابات الإسرائيلية.. عبدالحليم قنديل يكشف حقيقة المشهد
ما من تغيير محسوس جرى فى “غزة” بعد عام على توقيع اتفاق “شرم الشيخ” ، الذى جرى فى أجواء مهرجانية مبهرجة ، وحضره جمع غفيرمن كبار المسئولين العرب والمسلمين والأوروبيين ، وفى حضرة الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” ، الذى كان قد أعلن قبلها ما أسماه “خطة السلام” فى “غزة” المكونة من عشرين نقطة ، وقضت بإنشاء حكم انتداب أجنبى باسم “مجلس السلام” برئاسة “ترامب” نفسه ، وينوب عنه البلغارى “نيكولاى ملادينوف” ، الذى يلعب دور همزة الوصل مع ما قيل عنه “اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة” ، التى يترأسها “على شعث” نائب وزير التخطيط الأسبق فى حكومة السلطة الفلسطينية ، ووقتها قبل عام مضى ، قيل أن الاتفاق سيجرى تنفيذه عل ثلاث مراحل ، بدأت الأولى بتنفيذ ما هو أهم بالنسبة للأمريكيين والإسرائيليين ، وهو إطلاق سراح الأسرى والرهائن والجثامين ، أى تجريد المقاومة الفلسطينية من ورقة الضغط الأهم التى كانت بيدها ، ثم لم يتم تنفيذ أى شئ آخر ، لا وقف لإطلاق النار إلا من جانب المقاومة ، ولا إدخال للمساعدات والإغاثات لأهل “غزة” المحاصرين ، وقد كان متفقا عليها قبل “خطة ترامب” بشهور ، وشملها ما عرف باسم “البروتوكول الإنسانى” ، الذى تضمن السماح بمرور 600 شاحنة إغاثات يوميا ، لم تصل فى أفضل الأحوال إلى ربع العدد المقرر ، فلا خيام جديدة دخلت إلا فيما ندر ، ولا مساكن جاهزة متنقلة من أصله ، ولا كميات كافية من الغذاء والدواء والتجهيزات الطبية ، ولا ماء ولا كهرباء غالبا ، ولا آليات صالحة لرفع ستين مليون طن أنقاض الحرب فى “غزة” ، ولا حتى للبحث وانتشال رفات الضحايا المفقودين ، إضافة لتدهور أحوال ما تبقى من مستشفيات “غزة” ، وتراجع قدراتها ـ حد الانعدام ـ على التعامل مع ما حل ويحل بأهل غزة من مصائب ومآسى .
ولم تسمح “إسرائيل” للجنة الوطنية ـ إياها ـ بدخول غزة ، رغم أن “حماس” بادرت إلى حل جهازها الإدارى الحكومى فى “غزة” ، بل وافقت على خطة “ملادينوف” لنزع سلاحها وتسليمه إلى اللجنة الوطنية الإدارية ، لكن “إسرائيل” من جهتها رفضت الخطة الموضوعة من ما يسمى “مجلس السلام” ، واستمرت طوال الوقت فى قصف “غزة” ، وفى هدم ما تبقى من مبانيها ، وفى فترة عام السلام المزعوم المسموم ، ارتقى ألف وخمسمائة شهيد فلسطينى جديد ، أضيفوا لأكثر من 84 ألف شهيد فى محرقة الإبادة الجماعية ، أغلبهم من النساء والأطفال ، إضافة لاستمرار العدو “الإسرائيلى” فى تنفيذ سلاسل اغتيالات لقادة وعناصر المقاومة رغم وقف إطلاق النار المعلن ، وواصلت قوات الاحتلال زحفها فوق “الخط الأصفر” ، الذى كانت انسحبت إليه فى الأيام الأولى بعد اتفاق “شرم الشيخ” ، وكان يتيح لها الاحتفاظ بنحو 53% من مساحة قطاع “غزة” ، زادتها على الأرض إلى نحو 70% من “غزة” ، فيما جرى حشر وحصر أكثر من مليونى فلسطينى فى الثلاثين بالمئة الباقية .
والخلاصة ببساطة ، أن كيان الاحتلال لم ينفذ أيا من استحقاقات ما أسمى بالمرحلة الأولى ، ولا أبدى استعداده ـ حتى اللفظى ـ للدخول فيما يسمى بالمرحلة الثانية ، ولا هو التزم بحرية خروج ودخول الفلسطينيين إلى “غزة” ، ومنع أى تهجير للفلسطينيين ، بل وعاد قادة كيان الاحتلال إلى طرح هدف تهجير الفلسطينيين كحل نهائى ، ومن دون أن تصدر عن “مجلس السلام” ، أو عن مديره التنفيذى “ملادينوف” ، أى كلمة اعتراض أو مؤاخذة لحكومة الاحتلال ، التى ترفض أى إشارة لانسحاب “إسرائيلى” مضاف من “غزة” ، بل وتوالى الزحف الاحتلالى إلى الشريط الذى انسحبت منه سابقا ، وهو ما يقابل بلا مبالاة من الوسطاء الضامنين ، اللهم إلا من بيانات استنكار تصدر أحيانا ، فيما يوالى “ترامب” ـ صانع السلام المزعوم ـ تأييده الفعلى بما تقوم به “إسرائيل” ، ويزودها بنحو ستين ألفا من قنابل الدمار الثقيلة ، ويشجعها على الانتقال بدمارها من “غزة” إلى الضفة الغربية ، ويتناسى وعده فى خطة السلام بفتح مسار إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة ، وهو ما اعتبره المهرجون العرب وقتها نصرا عظيما وفتحا مبينا .
إذن ، لاشئ جوهرى تغير فى “غزة” ، اللهم إلا صياغة إطار دولى حارس لإدامة الاحتلال والقصف الدموى اليومى ، وقد تكون وتيرة القتل خفت قليلا ، لكنها لم تتوقف فى أى وقت ، مع احتمالات مرئية لتصعيد لاحق إلى مستوى الإبادة الجماعية ، لا يخفى “بنيامين نتنياهو” ـ رئيس وزراء العدو ـ نيته فى الاتجاه إليه ، وتسنده الوقائع على الأرض فى “غزة” وفى الضفة الغربية وفى القدس ، التى يستمر فيها زحف وزراء “نتنياهو” وجحافل المستوطنين إلى المسجد الأقصى المبارك ، واقتحامه وتدنيسه بإقامة صلوات “تلمودية” ، وتقسيمه الفعلى زمانيا ومكانيا ، وربما التمهيد لهدمه وإقامة ما يسمى “هيكل سليمان الثالث” مكانه ، إضافة للهجمات اليومية الدموية من جيش الاحتلال وقطعان المستوطنين على الفلسطينيين فى قرى ومخيمات ومدن الضفة الغربية ، والإطاحة العملية بصلاحيات السلطة الفلسطينية فى اتفاق “أوسلو” وتوابعه ، وتوحش الاستيطان اليهودى وهدم مخيمات الفلسطينيين وقراهم ، وقتل وجرح آلاف الفلسطينيين ، ودفعهم للخروج والتهجير ، وعلى نحو يتصاعد يوميا ، وفى إطار ما يسمى خطة الحسم “الإسرائيلية” ، التى تنطوى على ما هو أبعد من ضم الضفة الغربية رسميا إلى كيان الاحتلال ، وتهدف إلى تفريغ الضفة الغربية من سكانها الفلسطينيين ، ودفعهم إلى ترك الأرض والهجرة إلى خارج فلسطين كلها ، أو مواجهة مصير القتل كبديل قائم ، بينما لا يزال البعض يعيش فى أجواء تقسيمات “أوسلو” ومناطق (أ) و(ب) و(ج) المنصوص عليها ، فيما لا يعترف الاحتلال “الإسرائيلى” بأى تقسيمات ومناطق ، ويطيح بأى صلاحيات مفترضة للسلطة الفلسطينية ، حتى فى المنطقة (أ) ، التى كان يفترض أن تكون للسلطة الفلسطينية صلاحيات كاملة مدنية وأمنية فيها ، بينما تتصرف حكومة الاحتلال وكأنها ألغت اتفاق “أوسلو” وتوابعه على هزالها .
وحتى فى الداخل الفلسطينى المحتل منذ نكبة 1948 ، تقود حكومة الاحتلال حملة لتهجير فلسطينى 1948 ، وتبدأ حركة استيطان يهودى جديدة فى “النقب” و”الجليل” ، وتهدم التجمعات والقرى العربية الباقية فى صحراء “النقب” بالذات ، وعلى نحو ما احتفل به أشد وزراء حكومة الاحتلال تطرفا ، من عينة “إيتمار بن غفير” وزير الأمن و”بتسلئيل سموتريتش” وزير المالية ، وقد توعد الأخير بتنفيذ حملة استيطان فى “الجليل” مشابهة لما يجرى فى الضفة الغربية ، بينما احتفل “بن غفير” بالنصر على أنقاض قرية عربية بدوية فى “النقب” ، وجرى ضبط استاذ جامعى “إسرائيلى” ، كون مع عشرات من طلابه عصابة لقتل المواطنين الفلسطينيين ، أو إرغامهم على ترك فلسطين مشيا على الأقدام ، وقد يقول البعض : إنها أجواء ومزايدات الانتخابات “الإسرائيلية” المقررة قريبا ، وفى ذلك استخفاف عظيم يما يجرى ، ونسبته إلى اتجاهات “إسرائيلية” هامشية عارضة وطارئة قد تزول مع الانتخابات .
وأيا ما كانت نتائج الانتخابات “الإسرائيلية” الوشيكة ، وسواء ظلت حكومة “تحالف نتنياهو” فى الحكم ، أو انتقلت السلطة “الإسرائيلية” إلى ما يسمى “تحالف التغيير” ، الذى يضم أسماء من نوع الجنرال “جادى أيزنكوت” و”نفتالى بينيت” و”يائير لابيد” و”أفيجدور ليبرمان” ، فلن يتغير شئ جوهرى فى سلوك سلطة كيان الاحتلال ، وقد خدم أغلب قادة “تحالف التغيير” فى ظل رئاسة “نتنياهو” نفسه ، و”ليبرمان” و”بينيت” أكثر يمينية وتشددا من “نتنياهو” نفسه ، وهم ربما باستثناء الجنرال “يائير جولان” زعيم حزب “الديمقراطيين” ، يعارضون أى تفاهم من أى نوع مع الفلسطينيين ، والإجماع بينهم قائم على رفض إقامة أى كيان فلسطينى مستقل ، واستطلاعات الرأى الأخيرة تساوى فى الفرص بين “تحالف نتنياهو” و”تحالف التغيير” ، مع ترجيح ألا يصل أيهما إلى حيازة أغلبية الواحد والستين مقعدا اللازمة لتشكيل الحكومة فى “الكنيست” “الإسرائيلى” المقبل ، وبما يتيح ل”نتنياهو” فرصا أفضل فى ممارسة ألعابه ومناوراته البهلوانية ، وجذب آخرين من نوع الجنرال “بينى جانتس” وحزبه ” أبيض أزرق ” ، إن تجاوز الأخير عتبة التمثيل النيابى المقدرة بنسبة 3.25% من إجمالى الأصوات المشاركة فى الانتخابات .
وفى كل الأحوال ، فما من فارق ملموس بين “نتنياهو” والجنرال “أيزنكوت” ، وبينهما خلافات فى مسائل “إسرائيلية” داخلية ، لا تجرح ولا تشذ عن قاعدة الإجماع “الإسرائيلى” فى حروب “غزة” و”الضفة” و”لبنان” و”سوريا” وحتى “إيران” ، وربما يلجأون إلى تشكيل “حكومة وحدة وطنية” عدوانية إرهابية بكل المعانى ، لا تجد حكومات عربية مانعا من التحالف معها تحت مظلة اتفاقات “أبراهام” وسلامها المسموم ، وقد تحالفوا مع “نتنياهو” وهو مجرم الحرب المنبوذ عالميا ، واحتفوا به سرا وعلنا ، وقد يكون أسهل عندهم طبعا ، لو أنهم خلطوا شربة “نتنياهو” للتخفيف مع جرعة “أيزنكوت” ! .



