بطل من حرب أكتوبر يكشف أسرار العبور: هكذا صنعت مصر المفاجأة وأسقطت حسابات إسرائيل

كشف العقيد حلمي زكي عبد العزيز، أحد أبطال سلاح المشاة في حرب أكتوبر، تفاصيل جديدة عن الاستعداد للمعركة وملابسات العبور، مستعيدا مراحل الإعداد التي بدأت بعد حرب يونيو 1967، ومرت بحرب الاستنزاف، وصولا إلى لحظة عبور قناة السويس في السادس من أكتوبر 1973.
وقال العقيد حلمي زكي، في تصريحات لوكالة أنباء الشرق الأوسط، إنه شارك في حرب أكتوبر برتبة نقيب، مشيرا إلى أن القوات المسلحة المصرية خاضت سنوات طويلة من التدريب وإعادة بناء القدرات القتالية قبل اتخاذ قرار العبور.
إعادة بناء القوات المسلحة بعد حرب 1967
وأوضح العقيد حلمي زكي أن الفترة التي أعقبت حرب يونيو 1967 شهدت إعادة بناء القوات المسلحة المصرية واستعادة قدراتها القتالية، مشيرا إلى أنه عقب تخرجه في الكلية الحربية عام 1969 شارك في حرب الاستنزاف التي استمرت حتى وقف إطلاق النار في سبتمبر 1970.
وأكد أن قرار الموافقة على وقف إطلاق النار خلال تلك المرحلة كان بالغ الأهمية، لأنه أتاح للقوات المسلحة المصرية الوقت اللازم لبناء حائط الصواريخ، الذي كان يمثل ضرورة أساسية لتوفير الحماية للقوات خلال أي عملية عبور مستقبلية لقناة السويس.
حائط الصواريخ مه د الطريق للعبور
وأشار بطل حرب أكتوبر إلى أن القوات المصرية واجهت صعوبة كبيرة في إنشاء قواعد الصواريخ خلال حرب الاستنزاف، إذ كانت إسرائيل ترصد مواقع هذه القواعد وتستهدفها فور إنشائها، مستفيدة من المعلومات التي كانت تحصل عليها عبر وسائل الاستطلاع والأقمار الصناعية.
وأوضح أن استمرار هذا الوضع كان يجعل شن حرب شاملة أمرا بالغ الصعوبة، ولذلك منح وقف إطلاق النار القوات المسلحة المصرية فرصة لبناء حائط الصواريخ على امتداد الجبهة.
وأضاف أن حائط الصواريخ أسهم لاحقا في توفير الحماية للقوات المصرية خلال حرب أكتوبر، والحد من قدرة الطيران الإسرائيلي على الاقتراب من قناة السويس.
استعدادات سرية سبقت حرب أكتوبر
وقال العقيد حلمي زكي إن الرئيس الراحل أنور السادات، عقب توليه المسؤولية في سبتمبر 1970، واصل عملية الإعداد للحرب، بينما وضعت هيئة العمليات خططا تقوم على استمرار التدريب والاستعداد الدائم.
وشملت خطط التدريب مشروعات على مستويات مختلفة، من الكتيبة إلى اللواء والفرقة، كما بدأت القوات المسلحة خلال عامي 1971 و1972 في تنفيذ تدريبات ومشروعات حرب متكررة بهدف رفع مستوى الاستعداد.
لكن مشروعا نفذ خلال أغسطس وسبتمبر 1973 حمل، بحسب العقيد حلمي زكي، مؤشرات مختلفة عن التدريبات السابقة.
وأوضح أن القوات بدأت في استدعاء أعداد كبيرة من أصحاب التخصصات الحرجة، ومن بينهم العاملون في الصواريخ والأسلحة المضادة للدبابات، بالتزامن مع وصول كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر إلى الوحدات.
كما بدأت القوات في تجهيز مواقع للدبابات والمدفعية على امتداد الجبهة، ووصلت إمدادات إضافية من الذخائر، فيما شرعت وحدات المهندسين في تجهيز المعدات اللازمة لإنشاء الكباري وعبور قناة السويس.
وأكد أن وصول القوارب المطاطية ومعدات العبور كان مؤشرا واضحا على أن الأمر تجاوز حدود التدريب، وأن القوات المسلحة أصبحت تستعد لتنفيذ عملية عسكرية واسعة.
الخداع الاستراتيجي أخفى موعد العبور
وكشف العقيد حلمي زكي أن القيادة المصرية اتبعت خطة دقيقة للخداع على مستوى الوحدات الصغيرة، بهدف الحفاظ على سرية موعد العملية.
وأوضح أن بعض المجموعات كانت تتوجه إلى قناة السويس وكأنها تقوم بالصيد، بينما كانت مجموعات أخرى تنشغل بلعب الكرة أو غسل ملابسها، في الوقت الذي كانت فيه الأسلحة والذخائر والمعدات اللازمة للعبور جاهزة بالكامل.
وأكد أن الجنود لم يعرفوا موعد العبور إلا قبل ساعات قليلة من التنفيذ، مشيرا إلى أن عنصر المفاجأة كان أحد أهم أسباب نجاح العملية.
اقرأ أيضًا
وقال إن القوات بدأت في الثالث من أكتوبر تلقي تعليمات بالسماح لها بالإفطار خلال شهر رمضان، وهو ما اعتبره الضباط مؤشرا قويا على قرب بدء العمليات.
ساعة الصفر.. الثانية وثلث ظهرا
وأشار العقيد حلمي زكي إلى أنه في صباح يوم السبت الموافق 6 أكتوبر، تم دفع المجموعات التي سبق تجهيزها إلى مواقعها، ثم وصل في نحو الساعة 11 صباحا ظرف سري للغاية إلى قائد الكتيبة.
وأوضح أن الضباط أبلغوا بأن موعد العبور سيكون في الساعة الثانية وثلث ظهرا، عقب الضربة الجوية والتمهيد المدفعي.
وأكد أن إبلاغ القوات بموعد العبور قبل ساعات قليلة كان ضروريا للحفاظ على سرية العملية، موضحا أن كل مجموعة كانت تعرف مهمتها المحددة بمجرد صدور أمر العبور.
وأضاف أن نجاح خطة الخداع الاستراتيجي كان أحد أهم أسباب نجاح عملية العبور، مشيرا إلى أن المفاجأة شكلت عاملا رئيسيا من عوامل النصر، رغم تمكن إسرائيل من رصد بعض مؤشرات الاستعدادات المصرية قبل الحرب.
220 طائرة وألفا ماسورة مدفع في بداية المعركة
وقال العقيد حلمي زكي إنه في تمام الساعة الثانية ظهرا، ومع بدء الضربة الجوية المصرية، شعر الجنود بأن اللحظة التي انتظروها طويلا قد حانت.
وأوضح أن مرور الطائرات المصرية فوق القوات، وسماع أصوات الانفجارات ورائحة البارود، رفعت الروح المعنوية للجنود بصورة كبيرة.
وأشار إلى أن نحو 220 طائرة مصرية شاركت في الضربة الجوية، لافتا إلى أن الخسائر كانت محدودة للغاية مقارنة بحجم العملية.
وبعد الضربة الجوية بدأت المدفعية المصرية في قصف المواقع الإسرائيلية على امتداد الجبهة، وقال إن نحو ألفي ماسورة مدفع شاركت في التمهيد المدفعي، لتوفير غطاء ناري للقوات التي بدأت عبور قناة السويس.
وأكد أن عشرات الآلاف من الجنود المصريين عبروا القناة في توقيت متزامن، رغم وجود عدد من الموانع والتحصينات الإسرائيلية.
مواسير النابالم والساتر الترابي
ولفت العقيد حلمي زكي إلى أن القوات المصرية واجهت خلال العبور خطر مواسير النابالم التي كانت إسرائيل قد أعدتها على امتداد القناة بهدف إشعال سطح المياه وإحراق القوات المصرية.
وأكد أن القوات المصرية تمكنت من إحباط هذا الخطر من خلال عملية نفذتها مجموعة من الضفادع البشرية، قامت خلالها بسد فتحات مواسير النابالم قبل بدء العبور، ما حال دون استخدامها ضد القوات المصرية.
كما مثل الساتر الترابي الإسرائيلي تحديا آخر أمام القوات، إذ بلغ ارتفاعه نحو 22 مترا، إلا أن القوات المصرية تدربت مسبقا على كيفية اجتيازه والتغلب عليه.
وأوضح أن من بين الحلول التي جرى الاعتماد عليها استخدام السلالم الخشبية والحبال للوصول إلى قمة الساتر، بما سمح للقوات بالصعود خلال دقائق بدلا من استغراق وقت طويل في تسلقه وهي تحمل الأسلحة والمعدات.
لحظة لا ينساها بطل المشاة
وقال العقيد حلمي زكي إن المشهد الذي لا يزال عالقا في ذاكرته بعد مرور أكثر من خمسة عقود هو لحظة وصوله إلى قمة الساتر الترابي.
وأوضح أنه شاهد الدبابات والعربات الإسرائيلية تتحرك بسرعة باتجاه الشرق، في ظل نجاح القوات المصرية في اختراق خط الدفاع الإسرائيلي.
وأكد أن القوات المصرية، بعد عبور القناة واجتياز الساتر الترابي، تقدمت نحو خط المهمة المباشرة تحت حماية حائط الصواريخ، الذي لعب دورا مهما في الحد من قدرة الطيران الإسرائيلي على الاقتراب من قناة السويس.
مواجهة الاحتياطيات الإسرائيلية
وأضاف العقيد حلمي زكي أن القوات الإسرائيلية حاولت الدفع ببعض الاحتياطيات والتقدم بالدبابات، إلا أن القوات المصرية تمكنت من التعامل معها وإلحاق خسائر بها.
وأوضح أن الطائرات الإسرائيلية اضطرت إلى تنفيذ هجماتها من مسافات بعيدة خشية الوقوع في نطاق حائط الصواريخ، وهو ما وفر للقوات المصرية قدرا مهما من الحماية خلال تنفيذ مهامها.
مهمة محفوفة بالمخاطر عند الدفرسوار
وحول إحدى أصعب المهام التي نفذها خلال الحرب، قال العقيد حلمي زكي إنه كلف بإيصال الذخائر إلى القوات الموجودة شرق القناة، بعد احتياج القوات المهاجمة إلى إعادة استعواض الذخيرة عقب تنفيذ مهامها القتالية.
وأوضح أنه عاد إلى الضفة الغربية للقناة وجهز خمس سيارات محملة بمختلف أنواع الذخائر، ثم عبر بها إلى الضفة الشرقية بعد تمكن المهندسين العسكريين من إنشاء الكباري وفتح الثغرات اللازمة للعبور.
وأشار إلى أنه عند وصوله إلى منطقة الدفرسوار تعرضت سيارات الذخيرة لإطلاق النار من القوات الإسرائيلية، في الوقت الذي كانت فيه إحدى النقاط الحصينة لا تزال تحت سيطرة القوات الإسرائيلية.
سيارة الجيب تصنع ستار الدخان
وقال العقيد حلمي زكي إنه أجرى تقديرا سريعا للموقف، وتوصل إلى أن أفضل وسيلة لإيصال الذخائر كانت استخدام سيارة جيب في اتجاه النقطة الحصينة، بحيث يؤدي تدمير السيارة إلى إحداث ستار كثيف من الدخان يسمح لبقية سيارات الذخيرة بالتحرك.
وأكد أنه قرر تنفيذ المهمة رغم خطورتها، موضحا أن التفكير في الموت لم يكن حاضرا في أذهان المقاتلين، وأن الأولوية كانت دائما لتنفيذ المهمة وحماية أكبر عدد ممكن من الجنود.
وأوضح أنه تحرك بسيارة الجيب برفقة ضابط وسائق، وتقدم بها في مواجهة النقطة الحصينة، حيث تعرضت السيارة لإطلاق نار كثيف حتى تمكنوا من الاقتراب منها.
وأضاف أنهم نزلوا من السيارة سريعا قبل أن يتم استهدافها وتدميرها، ما أدى إلى تصاعد دخان كثيف.
وأكد أن الخطة نجحت، واستغلت سيارات الذخيرة الأخرى ستار الدخان للوصول إلى مواقع القوات المصرية، وبذلك تمكن من إتمام المهمة المكلف بها.
بطل أكتوبر: المعركة أثبتت قدرة المقاتل المصري
وأكد العقيد حلمي زكي أن حرب أكتوبر جسدت قدرة القوات المسلحة المصرية على التخطيط الدقيق وتحقيق المفاجأة والتغلب على الصعوبات الهندسية والعسكرية.
وشدد على أن المقاتل المصري خاض المعركة بإيمان كامل بضرورة استعادة الأرض والدفاع عن الوطن، مشيرا إلى أن سنوات الإعداد والتدريب والتخطيط والخداع الاستراتيجي تضافرت للوصول إلى لحظة العبور وتحقيق أهداف القوات المصرية.
وتبقى شهادة العقيد حلمي زكي عبد العزيز واحدة من الشهادات التي تستعيد تفاصيل الأيام الفاصلة بين الإعداد للحرب ولحظة العبور، وتكشف جانبا من الجهد الذي بذلته القوات المسلحة المصرية للتغلب على الموانع الطبيعية والتحصينات والاستعدادات الإسرائيلية.



