عبدالحليم قنديل يكتب : لعبة القط والفأر فى حرب “هرمز”

لا نعتقد بداهة أن تغيير لون شعر رأس الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” ، وتحويله من اللون “الأشقر” إلى اللون “البنى” ، سوف يغير من طريقة تفكيره ، ولا من عقل رأسه “المهووس” ، الذى جعله ذات مرة ، يشد شعر رأسه أمام “كاميرات” الصحفيين ، فقط ليقول لهم ، أن هذا هو شعره الحقيقى وليس “باروكة” شعر مستعار، والحقيقة أن “ترامب” كله مستعار، وأشبه بإنسان آلى “روبوت” ، ووجوده على رأس قوة عظمى بحجم أمريكا هو عجيبة عجائب العصر الذى نعيشه ، فهو يؤلف خرائط العالم وتاريخه على هواه الشخصى ، وكل ما لايعجبه يغير اسمه، ليس فقط فى أمريكا ومحيطها الجغرافى ، وعلى طريقة تغييره لاسم “خليج المكسيك” ولاسم ” بحيرة “أونتاريو”الكندية ، وعودته مؤخرا لتغيير اسم “مضيق هرمز” على بعد آلاف الأميال من مكتبه فى “البيت الأبيض” ، واعتباره “مضيق ترامب” ، هكذا مرة واحدة ، ودونما مبالاة بشئ فى تاريخ العالم وجغرافيته ولا فى القانون الدولى .
ويبدو أن نشره السابق لخريطة “مضيق هرمز” مولدة بالذكاء الإصطناعى ، وكتابة عبارة “أرض أمريكية جديدة” ، لم يعد يروق له ، وصمم على ضم المضيق لامبراطوريته الشخصية العقارية ، ومنح المضيق اسمه الكريم شخصيا ، وكانت تلك نزوة سبقت ، فضل العودة إليها ، ربما ليعطى دليلا تجاريا وماركة مسجلة باسمه ، تدعم ادعاءاته المتكررة شبه اليومية ، بأن المضيق مفتوح تماما للملاحة ، وأن حركة السفن والناقلات تمضى بصورة طبيعية ، وببركة أوامره السامية لأساطيله الحربية ، التى تضمن عبور من يريد له العبور .
وفى “لعبة القط والفار” بين “ترامب” والنظام الإيرانى ، رد الجنرال “محسن رضائى” أمين مجلس الأمن القومى الإيرانى .
وكذب أقوال “ترامب” بالجملة ، ثم أعلن اعتزام إيران فرض “منطقة محظورة” ، تشمل المضيق كله وخارجه ابتداء من خط الحصار البحرى الأمريكى ، وإطلاق النار والصواريخ على أى سفينة تخالف الحظر الإيرانى ، وتطوير صواريخ إيرانية مخصصة لقصف المدمرات الأمريكية ، وكانت إيران قد دخلت أخيرا مع “ترامب” فى مباريات قصف “ناقلة مقابل ناقلة” ، ونفذت القوات الأمريكية ضربات على ناقلات إيرانية فى ميناء جزيرة “خرج” ، وذهب “ترامب” فى تهيؤاته المولدة بالذكاء الاصطناعى على موقعه الشخصى “تروث سوشيال” إلى النهاية ، وصور جزيرة “خرج” كلها كأنها كتلة نار من الجحيم ، وكتب على الصورة “وداعا خرج” .
وكانت إيران قد ردت لأول مرة على سفن البحرية الأمريكية ، واستولت على زورق أمريكى مسير ، فيما قال عنه الجنرال “رضائى” ، أنه كان اختبارا بالنار لصاروخ إيرانى جديد ، فيما مضت تهديدات قادة إيرانيين آخرين فى ذات المعنى ، الذى أكدته دوائر “الحرس الثورى” و”الجيش الإيرانى ” ومقر “خاتم الأنبياء” ، ربما تأكيدا لكلام “محمد باقر قاليباف” رئيس مجلس الشورى وكبير المفاوضين الإيرانيين ، وهو ـ كما “رضائى” ـ من القادة الأقدم فى “الحرس الثورى” ، وكلهم يشيرون إلى عزم “إيران” فك الحصار البحرى الأمريكى بالقوة المسلحة ، وهو ما يلقى رواجا شعبيا فى الداخل الإيرانى ، عبر عنه فيديو متداول لضابط إيرانى ، يطلب التصريح له بتنفيذ عملية انتحارية “استشهادية” لتفجير قطع حربية أمريكية تحاصر موانئ إيران ، وعلى سبيل الثأر لشهداء مدرسة “ميناب” الابتدائية وشهداء حفل زفاف منطقة “كوهستك” فى مدينة “سيريك” بمحافظة “هرمزجان” ، وقد ذهب هؤلاء الشهداء المدنيين ـ مع آلاف غيرهم ـ ضحايا لقصف أمريكى متواصل خلال حرب قاربت على إتمام شهورها السبعة .
والمعنى ببساطة ، أن “ترامب” يواصل تهديداته وفجاجة تصوراته ، بينما لا يبدو مستعدا لنقلها عاجلا إلى ميدان النار .
ويبدو تائها ضائعا بين نصائح وزير حربه “بيت هيجسيث” ونصائح وزير خزانته “سكوت بيسنت” ، بين الذهاب لضربة مزلزلة فى موقع رأس “جبل الفأس” النووى الإيرانى ، أو اختيار الحصار والخنق الاقتصادى لإيران ، بين أولوية فتح “مضيق هرمز” ، أو إسقاط النظام الإيرانى مجددا ، بين رفض كل تفاوض جديد مع إيران ، أو انتظار استسلام إيرانى يقبل كل الشروط الأمريكية ، وإلى آخر ذلك من اختيارات متناقضة متعاكسة ظرفيا ، ربما فى انتظار انتخابات التجديد النصفى المنتظرة أوائل نوفمبر المقبل ، ومع أحوال تردد “ترامب” ، تبدو إيران متجهة إلى اختيار التصعيد ، ووضع “ترامب” بين اختيارين كلاهما أسوأ عنده ، إما قبول إعادة العمل بمذكرة التفاهم بكامل بنودها وشروطها أو العودة لاشتباكات مسلحة ، تزيد فى حرج “ترامب” بالداخل الأمريكى ، وتمحو أثر تطميناته اللفظية عن استقرار تدفق البترول ومشتقاته عبر “مضيق هرمز” ، وترفع أسعار البترول فى ظل نار حرب مشتعلة ، وتزيد بالضرورة من أسعار “البنزين” و”الديزل” فى الداخل الأمريكى ، وتصعد باحتمالات فقدان جماعة “ترامب” فى “الحزب الجمهورى” لفرصهم فى الحفاظ على أغلبية طفيفة فى مجلسى الكونجرس .
وفى حيرة “ترامب” الراهنة ، وعجزه عن تحديد “بوصلة” حركة أفضل ، يستريح إليها وإلى نتائجها ، وعجزه عن تقديم نصر عسكرى ساحق يقدمه لجمهوره ، أو تقرير الانسحاب والخروج من الحرب كلها ، كما تنصح دوائر متسعة فى “البنتاجون” والمخابرات الأمريكية ، وهو ما تستثمره إيران لدهس أعصاب “ترامب” ، ودفعه للوقوع فى أخطاء أكبر ، بينما لا تبدو إيران فى موقع الخسران المحتمل ، فقد تكيفت مع حرب طالت ، وهى تريد المزيد من الإطالة ، وبحرفية المزج بين دعوات التفاوض ودعوات الحرب ، فهى لن تخسر المزيد فى أى اختيار ، والهدوء على الجبهات ليس فى صالحها ، وأجواء التوتر تفيد نظامها المدعوم بتأييد شعبى واسع ، بينما “ترامب” يخسر بنزيف النقاط ، ويتدنى تأييد حربه الخاسرة فى أوساط الرأى العام الأمريكى ، ويتظاهر علنا بأن حزبه “الجمهورى” سيحقق فوزا كاسحا فى انتخابات نوفمبر المقبل ، بينما الحقيقة أنه يبدو كأنه “فأر” مرتعب من هزيمة وشيكة فى الانتخابات ، قد تجعله مع فساد عائلته فى قفص اتهام تشريعى ، وتحوله إلى “بطة عرجاء” فى النصف المتبقى من مدة رئاسته الثانية .
ومع حيرة “ترامب” الظاهرة ، فقد يلجأ للاستماع مجددا إلى رغبات وسواسه الخناس “بنيامين نتنياهو” رئيس وزراء كيان الاحتلال ، الذى يحاول الإفلات من مصير الخسارة فى انتخاباته الأقرب من انتخابات “ترامب” التشريعية ،وتتعارض مصالحه مع تهدئة “ترامب” على جبهة إيران ، ويميل لإشعال الحروب من “غزة” إلى “لبنان” وربما إلى “إيران” مجددا ، ويستعيد معزوفته المفضلة عن إمكانية إسقاط النظام الإيرانى ، رغم الفشل المرير الذى لاقته “أمريكا” و”إسرائيل” فى تحقيق الهدف المرتجى ، فلا هم أسقطوا النظام ، ولا أسقطوا برنامجه النووى ، ولا برنامج صناعة الصواريخ والمسيرات ، و”نتنياهو” يريد أن يفوز بصورة البطل الحامى لكيان الاحتلال المدمر لأعدائه ، ومن صالحه أن يعيد توريط “ترامب” فى مطاردة وهم إسقاط النظام الإيرانى ، خصوصا أن لغة “إسقاط النظام” عادت مجددا إلى دعايات “ترامب” ومساعديه ، ولا يستبعد أن يتورط “ترامب” فى طاعة “نتنياهو” مجددا ، ولكن دون أدنى ثقة فى إمكانية سقوط النظام الإيرانى بالحرب مهما اتسعت ، ولو كان الثمن قصفا مدمرا لكل اللبنى التحتية المدنية الإيرانية .
و”الذى يجرب المجرب عقله مخرب” كما يقول المثل الشعبى ، وعقل “ترامب” خرب من زمن ، ولا يستبعد أن يعود لنغمة “محو إيران” وتشييع جنازة الحضارة الفارسية ، فالرجل مصاب بهوس لا شفاء منه ، ويكفى أنه نشر مؤخرا خريطة عبثية على موقعه الخاص “تروث سوشيال” ، تضم الولايات المتحدة و”كندا” و”المكسيك” وجزيرة “جرينلاند” و”آيسلندا” وأمريكا الوسطى ومنطقة “الكاريبى” ، وكلها مغطاة بالعلم الأمريكى ، مع إطلاق اسم “الولايات المتحدة الأمريكية” على كامل مساحة الأرض ، وإلغاء أسماء كل الدول الأخرى المشمولة فى خريطة “ترامب” (!) .
وربما يكون من حسن حظ القيادة الإيرانية ، أنها تواجه خصما بكل هذا الهوس ، ومصابا بجنون عظمة ارتيابى ، وأنها تتلاعب بأعصابه فى حروب “مضيق هرمز” وأخواتها ، التى صارت أشبه بألعاب “القط والفأر” أو “توم وجيرى” فى أرشيف “والت ديزنى” ، ومع فارق ملموس ، هو أن إيران رغم جراحها ومعاناتها ، تبدو كأنها تعرف طريقها ، وتدرك مع فوارق القوة الراجحة لعدوها ، أن خوض معارك استنزاف مطولة هو طريقها للنجاة ، ولا تبدو فى عجلة من أمرها ، ولا فى ذعر من تهديد متعجل ب “خنق اقتصادى” ولا من قصف موسع مدمر، فالنظم لا تسقط بقصف من السماء مهما اشتد ، و”ترامب” لا يجرؤ على غزو إيران بريا ، وإلا كانت هزيمته التامة المستعجلة ، التى لا تفيده معها إعادة صبغ شعر رأسه ، ولا حتى صبغ وجهه بلون السواد ، ولا تأليف خرائط مولدة بالذكاء الاصطناعى ، والأخير مهما كانت فتنة ألعابه ، لا يعالج آفة الغباء البشرى الخلقى ، ولله فى خلقه شئون .


