عندما يقود الجهل سفينة الأمم .. تحذير نبوي من زمن الرؤوس الجهال
بقلم : د ياسر جعفر
لا توجد مصيبة تضرب أركان الأوطان، وتستنزف مقدرات الشعوب، أشد فتكاً من تمكين الجهل وأتباعه وإسناد الأمر لغير أهله. إن اعتلاء الجهل منصة القيادة ليس مجرد خلل إداري، بل هو نذير بخراب شامل يمتد ليعصف بالاقتصاد، ويفسد الاجتماع، وينشر الفقر والضنك في كل زاوية. فعندما تغيب الكفاءة ويحكم التخبط، تتحول المؤسسات إلى أطلال، وتصبح مقدرات الناس نهباً للعشوائية والمصالح الضيقة.
نذير النبوة.. كيف يضيع العلم؟
لقد وضع لنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم خارطة طريق للوعي، محذراً من اللحظة التي يفقد فيها المجتمع بوصلته العلمية. ففي الحديث الذي رواه عبدالله بن عمرو: (إنَّ اللهَ لا يَقبِضُ العِلمَ انتِزاعًا يَنتَزِعُه مِنَ العِبادِ، ولَكِن يَقبِضُ العِلمَ بقَبضِ العُلَماءِ، حتَّى إذا لَم يُبقِ عالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فسُئِلوا فأفتَوا بغيرِ عِلمٍ، فضَلُّوا وأضَلُّوا) “صحيح البخاري”.
اقرأ أيضًا..
د ياسر جعفر يكتب : بعد زلزال فنزويلا هل يفيق المارد العربي
د ياسر جعفر يكتب : احذروا التجسس والتنصت افة تهدد القيم والمجتمعات
هذا التحذير النبوي الشريف يكشف عن حقيقة مرعبة؛ وهي أن الجهل لا يحل في الأمة فجأة، بل يتسلل عبر موت العلماء الربانيين وأهل الاختصاص الحقيقيين، ليترك الساحة خالية لـ “رؤوس جهال” يتصدرون المشهد، يفتون في شؤون الدين والدنيا بلا بصر أو بصيرة، فيتحولون إلى أدوات للهدم والإضلال.
الاستثمار في الجهل.. فوضى التعليم الخاص
إن ما نشهده اليوم من تمدد لظاهرة تصدر الجهلاء للمناصب، سواء في العلوم الدينية أو الدنيوية، يمثل طعنة في خاصرة الوعي المجتمعي. والمأساة تبلغ ذروتها حين نرى من يملك المال ولا يملك الفكر، من لا يفرق بين أبسط أبجديات المعرفة، يستثمر في بناء الإنسان عبر مدارس ومعاهد وجامعات خاصة، لا تهدف إلا للربح المادي على حساب جودة التعليم.
هؤلاء المرتزقة – كما يصفهم الواقع – يحولون صروح العلم إلى سجون اقتصادية، حيث الرواتب الزهيدة التي لا تقيم أود المعلم، والبيئة التعليمية التي تخرج أجيالاً تعيش في ظلام الجهل رغم حصولها على الشهادات. وهنا يصبح دور الدولة محورياً؛ فمن واجب الجهات الرقابية سحب التراخيص من كل من يعبث بعقول الأبناء، وتشديد الرقابة لضمان أن يظل التعليم منارة للاستنارة لا وسيلة للتجهيل الممنهج.
العلماء.. سراج الأمة وورثة الأنبياء
العلم الحقيقي هو الحصن الذي يمنع وقوع الأفراد والمجتمعات في الزلل. ولا يمكن للمؤلفات والكتب أن تغني عن وجود العالم المربي، لأن النصوص بلا فهم صحيح قد تصبح سلاحاً في يد الجاهل. وقد برع الإمام الآجري رحمه الله في توصيف قيمة أهل العلم بقوله: إن الله عز وجل وتقدَّست أسماؤه اختصَّ مِنْ خلقه من أحب، فهداهم للإيمان، ثم اختصَّ من سائر المؤمنين مَنْ أحب، فتفضَّل عليهم، فعلَّمهم الكتاب والحكمة وفقههم في الدين، وعلمهم التأويل وفضَّلهم على سائر المؤمنين؛ وذلك في كل زمان وأوان، رَفعهم بالعلمِ وزَينهم بالحلمِ، بِهم يُعرف الحلالُ من الحرام، والحق من الباطل، والضار من النافع، والحسن من القبيح.
إنهم ورثة الأنبياء، وقرة عين الأولياء، تستغفر لهم الحيتان في البحار، وتضع الملائكة أجنحتها لهم رضاء بما يصنعون. حياتهم غنيمة للأمة، وموتهم ثلمة لا تسد ومصيبة كبرى. هم النجوم التي يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست هذه النجوم، تاهت القافلة وتحيرت العقول.
رسالة إلى ولاة الأمور
إن الفتوى هي الرياسة الحقيقية، والمسؤولية أمام الله وأمام التاريخ تقتضي وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. إن تهميش العلماء وتقريب الجهلاء هو أقصر الطرق للانهيار. وقد أكدت السيدة عائشة رضي الله عنها على دقة هذا النقل النبوي حين حث عروة بن الزبير على الاستثبات من حديث عبدالله بن عمرو، فلما تأكدت من حفظه عجبت وقالت: (واللهِ لقد حَفِظَ عبدُ اللهِ بنَ عَمرٍو) في إشارة للرواية التي تؤكد: (إنَّ اللهَ لا يَنزِعُ العِلمَ بَعدَ أن أعطاكُموه انتِزاعًا، ولَكِن يَنتَزِعُه منهم مع قَبضِ العُلَماءِ بعِلمِهم، فيَبقى ناسٌ جُهَّالٌ، يُستَفتَونَ فيُفتونَ برَأيِهم، فيُضِلُّونَ ويَضِلُّونَ) “صحيح البخاري”.
ختاماً، إن تعظيم أهل العلم ليس ترفا، بل هو ضرورة وجودية. فبالعلم نحيا، وبدونه نغرق في التيه. ولنا في كتاب الله الوعد والوعيد، حيث يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [المجادلة: 11]، ويقول جل شأنه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) [فاطر: 28].



