5 أسرار من ذهب خلف مقولة كل بئر بما فيه ينضح

بقلم د ياسر جعفر
كيف تصنع طعامك بنفسك
يردد الكثيرون جملة كل بئر بما فيه ينضح كحكمة اجتماعية، لكن الدكتور ياسر جعفر يأخذنا في رحلة معرفية مثيرة ليكشف أن هذه القاعدة هي حجر الزاوية في بناء الإنسان صحيا ونفسيا وفكريا.
فالبئر لا تخرج إلا ما استقر في قاعها، وكذلك جسدك وعقلك، لا يعطيانك إلا حصاد ما زرعته فيهما من عادات واختيارات يومية.
فلسفة البئر.. انعكاس الداخل على الظاهر
تبدأ القصة من فهم عميق لطبيعة التكوين البشري، حيث يوضح الدكتور ياسر جعفر أن الإنسان صاحب الأصل الطيب والتربية الحسنة ينضح سلوكه باللين والرحمة، تماما كالشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء. في المقابل، فإن القلوب التي امتلأت بالضغينة أو سوء التربية لا بد أن تظهر آثارها في الأفعال والأقوال، ليكون الفرد انعكاسا حقيقيا لبيئته وتفكيره.
هذا المبدأ يمتد ليشمل الأسرة والمجتمع وحتى مفاصل الدولة؛ فالعدل والأمانة في القيادة ينضحان أمنا ورخاء، بينما يولد غياب العدل حالة من التخبط والبلطجة الفكرية، مما يؤكد أن كل وعاء يخرج ما يحتويه بالضرورة.
المعدة هي البئر.. كواليس الصحة والمرض
ينتقل المقال إلى جانب حيوي يمس حياة كل فرد، وهو علاقة الغذاء بالجسد. فالمعدة هي البئر الحقيقية التي تظهر نتائجها على البشرة، الطاقة، والحالة النفسية. ويضرب المؤلف مثالا لافتا بمشروبات مثل الحلبة أو أطعمة كالثوم والبصل؛ فرغم فوائدها العظيمة، إلا أن رائحتها التي تنضح من الجسد تؤكد أن ما يدخل الداخل لا بد أن يظهر أثره في الخارج.
إن تناول الطعام الصحي ينعكس قوة وعافية، بينما يتحول الإسراف في الغذاء الضار إلى تعب وإرهاق دائم. وهنا تبرز قاعدة أنت طبيب نفسك، حيث يجب على كل إنسان مراقبة إشارات جسده وفهم ما يناسب طبيعته الخاصة، فصلاح الظاهر يبدأ دوما من طهارة الداخل ونقاء ما نستهلكه.
روشتة ابن سينا وابن البيطار.. الغذاء قبل الدواء
لطالما كان أطباء الحضارة الإسلامية روادا في فهم هذه المعادلة. ابن سينا، في كتابه الشهير القانون في الطب، وضع دستورا غذائيا صارما يرى أن المعدة هي بيت الداء والحمية هي رأس الدواء. واعتبر أن الاعتدال هو أساس العافية، محذرا من أن الإفراط يفسد الهضم ويضعف البدن.
من جانبه، ركز العالم ابن البيطار في كتابه الجامع لمفردات الأدوية والأغذية على أن الطعام ليس لمجرد الشبع، بل هو دواء فعال إذا استخدم بذكاء. وأشار إلى فوائد العسل والتمر والحلبة في تنقية البدن وتقوية المناعة، مؤكدا أن صلاح الجسد يبدأ من صلاح ما يوضع في الوعاء.
عبقرية ابن النفيس وابن رشد في تدبير الغذاء
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد قدم ابن النفيس في كتابه المختار من الأغذية رؤية ثاقبة حول تأثير ضعف المعدة على فساد الدم. وشدد على أهمية المضغ الجيد وعدم الإسراع في الأكل، معتبرا أن تنظيم الغذاء يغني في كثير من الأحيان عن العقاقير الكيميائية.
وفي نفس السياق، يبرز فكر ابن رشد الذي وصف المعدة في كتابه الكليات في الطب بأنها مطبخ البدن. وحذر ابن رشد من الجمع بين الأطعمة المتنافرة أو الأكل على الشبع، مؤكدا أن تتابع الوجبات قبل هضم السابق يسبب فسادا كبيرا في أخلاط الجسم، وهي نفس القاعدة التي ذهب إليها الطبيب اليوناني جالينوس حين قال إن الذي أهلك الناس هو إدخال الطعام على الطعام.
الحكمة الجامعة.. بين الطب والوحي
تتلاقى كل هذه الرؤى الطبية مع الهدي النبوي الشريف والقرآن الكريم في وضع إطار نهائي لصحة الإنسان. فالمبدأ القرآني في قوله تعالى:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾
يضع حدا فاصلا لكل الأمراض الناتجة عن التخمة. كما أن الحديث النبوي الشريف:
“ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه… فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه”
يعد أبلغ وصف لعملية التوازن التي يحتاجها الجسم، إن إصلاح حياتك يبدأ من تنقية بئرك الخاصة، سواء كانت قلبا يحمل القيم، أو عقلا يحمل الأفكار، أو معدة تستقبل الغذاء. فاحرص على أن تملا بئرك بكل ما هو خير، لأن كل بئر بما فيه ينضح في نهاية المطاف.


