وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم

بقلم د. ياسر جعفر
تقف الأمة الإسلامية اليوم أمام مرآة الحقيقة العارية، حيث تطل آيات الوعيد الإلهي لتصف واقعا مريرا نعيشه. يوضح الإمام السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا عَنِ الإيمان بالله، وامتثال ما يأمركم به يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ في التولِّي، بل يطيعون الله ورسوله، ويحبون الله ورسوله؛ كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ.
غياب المنهج وارتماء في أحضان التبعية
لقد أعرضت الأمة في كثير من مفاصلها عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واتجهت البوصلة نحو أحضان أعداء الإسلام من أهل الكفر والشرك. هذا الانحراف يشير بوضوح إلى سنن الاستبدال، حيث تُستبدل الأمة المنكوبة بقوم آخرين يحملون راية الدفاع عن الدين. وهنا يبرز السؤال الملح: هل يمكن أن تكون دولة إيران هي البديل القادم في حمل هذا اللواء؟
بينما نرى انشغال البعض بموالاة الغرب وإنفاق مقدرات الأمة في مسارات لا تخدم العقيدة .
غاب الحكم بما أنزل الله، فأصبحت الأمة ذليلة أمام حفنة من المرتزقة الذين هم أجبن وأخس خلق الله. نحن أمة أعزنا الله بالإسلام والجهاد، وحين تركناه أصبحنا مطمعا لكل ناعق.
الفريضة الغائبة وضريبة الذل
إن الجهاد في سبيل الله فريضة محكمة، سواء كان جهاد غزو في حال القوة، أو جهاد دفع في حال الضعف. وتتأكد هذه الفريضة عندما يغزو الكفار أرض الإسلام ويفسدون فيها. وما أصاب المسلمين اليوم من هوان هو النتيجة المباشرة لترك هذا المبدأ، مصداقا لقوله تعالى: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ . إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” .
بترك الجهاد، تسلط المنافقون والكفار يقتلون ويسجنون وينهبون الخيرات، رغم أن الله عز وجل جعل فيه حياة الأمة وقوتها: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوة كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” . ويؤكد الحق سبحانه أن الاستجابة لهذا الأمر هي عين الحياة: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ” .
ميزان القوة والمصلحة الشرعية
إن فوائد الجهاد أرجح من مفاسده الدنيوية من جوع ومشقة، فهو بضوابطه الشرعية خير للمسلمين. وبدونه، يلقي المسلمون بأيديهم إلى التهلكة: “وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ” . وقد فسر العلماء التهلكة هنا بترك الجهاد. فالعدو لن يتوقف حتى يرد المسلمين عن دينهم: “وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يزالونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ” .
نبوءة السنة ورجال فارس
في ظل الصمت العربي المطبق أمام عربدة الصهيونية الأمريكية، تبرز إيران كلاعب يواجه هذه الضغوط. فهل هم القوم المستبدلون؟ بالعودة إلى السنة النبوية، نجد إشارات واضحة؛ ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة: قال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا قال وكان سلمان بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ سلمان وقال هذا وأصحابه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس (صحيح الترمذي).
هذا الحديث يؤكد أن من يمتثل للطاعة ينال شرف النصرة، وأن الوعيد بالاستبدال يتجه لمن يقصر ويخالف. والضرب على فخذ سلمان الفارسي إشارة صريحة إلى قومه وحرصهم على بذل الغالي والنفيس لخدمة هذا الدين.
وفي رواية أخرى في صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزلت عليه سورة الجمعة: “وآخرين منهم لما يلحقوا بهم” ، قال: قلت: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثا، وفينا سلمان الفارسي، وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان، ثم قال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال -أو رجل- من هؤلاء.
التقوى هي المقياس
لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. إن الآيات والأحاديث تشير إلى أن المقصود بـ “وآخرين منهم لما يلحقوا بهم” هم أهل فارس، أو العجم عموما الذين برز منهم علماء ودعاة حملوا راية الدين حين تقاعس غيرهم.
إننا أمام لحظة تاريخية فارقة، فإما استعادة روح الجهاد والتضحية والاستمساك بالعروة الوثقى، أو مواجهة سنة الاستبدال التي لا تجامل أحدا، وليعلم الجميع أن الله غني عن العالمين، وأن دينه سيظهر ولو كره المشركون.

