قراءة تربوية استراتيجية في قرار التربية الدينية بين بناء العقل وبناء الضمير
بقلم: الهلالي الشربيني الهلالي
أثار القرار الخاص باعتبار مادة التربية الدينية مادة أساسية يُشترط للنجاح فيها حصول الطالب على نسبة 70% من درجاتها، مع عدم إضافتها إلى المجموع الكلي، نقاشًا واسعًا في الأوساط التعليمية والتربوية والمجتمعية.
وقد انقسمت الآراء بين من يرى في القرار خطوة مهمة لتعزيز القيم والأخلاق والهوية الثقافية والدينية لدى الطلاب، وبين من يعتبره عبئًا إضافيًا على العملية التعليمية أو خروجًا عن فلسفة التقويم التربوي الحديثة.
ويكتسب هذا الجدل أهمية خاصة؛ لأن التربية الدينية ليست مجرد مادة دراسية تقليدية، بل ترتبط بتكوين الشخصية وبناء منظومة القيم والسلوكيات التي يحتاجها الفرد والمجتمع على حد سواء. ومن ثم فإن مناقشة القرار ينبغي أن تتجاوز الانطباعات الأولية لتتناول أبعاده التربوية والفلسفية والاجتماعية بصورة متوازنة.
التربية الدينية بين الواقع والممارسة
على مدار عقود طويلة، كانت مادة التربية الدينية تُدرّس في المدارس المصرية باعتبارها مادة أساسية، إلا أن درجاتها لم تكن تُضاف إلى المجموع الكلي للطالب.
وقد أدى ذلك في بعض الأحيان إلى انخفاض مستوى الاهتمام بها لدى قطاع من الطلاب وأولياء الأمور، وتحولها في بعض المدارس إلى مادة هامشية من حيث الجهد المبذول في التدريس أو التفاعل معها.
أما في الوضع الحالي، فقد تم التأكيد على أن التربية الدينية مادة نجاح ورسوب، مع اشتراط حد أدنى للنجاح، دون إدراج درجاتها ضمن المجموع الكلي. ويعكس هذا التوجه رغبة الدولة في تعزيز مكانة المادة وإبراز دورها التربوي والأخلاقي في بناء الإنسان.
مبررات التأييد
يرى المؤيدون للقرار أن التربية الدينية ليست مادة تكميلية، بل أحد المكونات الأساسية لبناء الشخصية.
ومن ثم فإن اشتراط النجاح فيها يعيد الاعتبار لدورها التربوي، ويمنع التعامل معها كمادة هامشية.
كما أن المجتمعات الحديثة لا تحتاج فقط إلى خريجين يمتلكون المعرفة والمهارات، بل تحتاج أيضًا إلى مواطنين يتحلون بالقيم والأخلاق والمسؤولية الاجتماعية، بما يحقق التوازن بين بناء العقل وبناء الضمير.
ويُضاف إلى ذلك أن عدم احتساب درجات المادة في المجموع الكلي يحقق قدرًا من التوازن، إذ يحافظ على أهميتها التربوية دون التأثير المباشر في فرص القبول الجامعي.
وجهات النظر المعارضة
في المقابل، يرى بعض المعارضين أن النجاح أو الرسوب يجب أن يرتبط بالمواد الأساسية المؤثرة في المسار الأكاديمي، وأن إدخال شرط النجاح في مادة لا تدخل في المجموع قد يثير تساؤلات حول العدالة في التقييم.
كما يرى آخرون أن القيم لا تُقاس بالامتحانات التحريرية، وأن التركيز على النجاح والرسوب قد يحول المادة إلى حفظ واستظهار بدلًا من الفهم والتطبيق.
ويشير فريق ثالث إلى أن رفع درجة النجاح قد يزيد من الضغوط النفسية على الطلاب وأولياء الأمور.
إشكالية القياس التربوي
بين هذه الآراء يظل السؤال الأهم قائمًا هل يمكن قياس التدين أو القيم الأخلاقية عبر اختبار ورقي؟، أم أن المطلوب هو بناء منظومة تربوية شاملة تُترجم القيم إلى سلوك يومي داخل المدرسة وخارجها؟
رؤية تربوية متوازنة
من منظور تربوي محايد، لا ينبغي النظر إلى القرار باعتباره صراعًا بين مؤيد ومعارض، بل كفرصة لإعادة التفكير في وظيفة التربية الدينية داخل المدرسة.
فإذا كان الهدف هو تعزيز القيم والأخلاق والهوية الوطنية، فهذا هدف تربوي أصيل، يتسق مع الاتجاهات الحديثة في التعليم.
لكن تحقيق هذا الهدف لا يتوقف على شرط النجاح وحده، بل يعتمد على تطوير المناهج، وطرق التدريس، وأساليب التقويم.
من الحفظ إلى السلوك
إن التربية الدينية تحقق رسالتها الحقيقية عندما تنتقل من الحفظ والتلقين إلى الفهم والتفكير والتطبيق السلوكي.
فالطالب لا يحتاج فقط إلى معرفة النصوص، بل إلى تعلم قيم الصدق، والأمانة، والتسامح، واحترام الآخر، والانتماء، وتحمل المسؤولية.



