مقالات

حين تحوّلت العدالة الرياضية إلى مؤامرة تصفية حسابات

بقلم: د. ياسر جعفر

لا شيء يفسد جوهر الإنسانية ويهدم قيمها النبيلة مثل العنصرية؛ ذلك الداء العضال الذي أطل برأسه القبيح مؤخرًا في عالم الرياضة، وتحديدًا في المباراة التي جمعت بين منتخبي مصر والأرجنتين. ما شهده المتابعون في تلك المواجهة لم يكن مجرد أخطاء تحكيمية عفوية، بل تجسيدًا صارخًا للعنصرية والظلم والاستبداد والاستفزاز، حيث بدا واضحًا أن طاقم التحكيم قد أهدى الفوز للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وللمنتخب الأرجنتيني على حساب العدالة والروح الرياضية.

 

​خلف الكواليس.. استهداف ممنهج وتصفية حسابات

 

 

​القراءة المتأنية للمشهد تكشف عن أسرار واتفاقات خفية، وترصّدٍ مُمنهج استهدف الكابتن حسام حسن. هذا الاستهداف لم يكن وليد الصدفة، بل بدأت خيوطه تُغزل والتخطيط له والنيل منه واذلاله فور رفعه لعلم فلسطين في موقف عروبي شجاع. ومنذ تلك اللحظة، تحولت المستطيلات الخضراء إلى ساحة لتصفية الحسابات؛ فرغم تفوق المنتخب المصري وإحرازه هدفين، ألغى الحكم هدفًا ثالثًا بداعي شد قميص (التيشيرت)، وتغاضى برعونة عن احتساب ركلة جزاء مؤكدة للنجم محمد صلاح بعد عرقلته بوضوح في قدمه الثابتة.

 

​ولم يتوقف الأمر عند القرارات الفنية الفجة، بل امتد ليشمل سيلًا من الإنذارات المجحفة وبدون وجه حق. كان الهدف من هذا الشحن والضغط النفسي هو استدراج الكابتن حسام حسن ودفعه نحو الاحتكاك والمشادات مع طاقم التحكيم، لدفعه إلى الخطأ ومن ثم الانقضاض عليه بعقوبات مغلظة وقاسية. إنها عنصرية وظلم فج، يأتي كرسالة كاشفة لكي تعلم الدول العربية حقيقة ما يضمره هؤلاء للرموز التي تتخذ مواقف مبدئية.

 

​العنصرية.. معول هدم للمجتمعات البشريّة

 

​إن العنصرية هي أبغض الصفات التي تمزق نسيج المجتمعات وتزرع بذور الكراهية بين البشر، سواء تجلت في سلوك فرد تجاه آخر، أو تميز شعب ضد شعب، أو استعلاء دولة على دولة. فالعنصرية لا تبنِي يوما حضارة، ولم تحقق عدلا قط، بل هي دائمًا وقود للفرقة والظلم والأحقاد.

 

​وحين يتملّك الإنسان وهمُ الأفضلية على غيره بناءً على جنسه، أو لونه، أو أصله، أو جنسيته، فإنه يهدم القيمة الحقيقية للوجود الإنساني المتمثلة في الأخلاق والعمل الصالح. والأمر ذاته ينطبق على الدول؛ فعندما تتعامل دولة مع أخرى باستعلاء وتمييز، فإنها تغرس أشواك الخلاف وتدمر فرص التعاون والسلام العالمي.

 

​المنهج الإسلامي.. تذويب الفوارق وإرساء العدالة

 

​لقد جاء الإسلام بمنهج حاسم لقطع دابر هذا الفكر الإقصائي، مرسيًا قيم المساواة المطلقة بين البشر. يقول الله تعالى في محكم التنزيل:

 

​﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

 

 

​وتأكيدًا لهذا التأصيل الرباني، قال النبي ﷺ في خطبة الوداع:

 

​«لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى».

 

 

​طريق الخلاص: المسؤولية الفردية والجماعية

 

​إن استئصال شأفة العنصرية يبدأ من وعي الفرد وسلوكه؛ عبر ترسيخ ثقافة احترام الآخر، ونبذ أشكال التمييز كافة، والتعامل مع الناس بميزان العدل والرحمة. فكلما اتسعت مساحات الاحترام والتسامح في مجتمعاتنا، غدت أكثر قوة وتماسكًا، وغدا العيش آمنًا ومحفوفًا بالمحبة، بعيدًا عن مستنقعات الكراهية والتفرقة التي تحاول بعض الأجندات جرّنا إليها، حتى في أكثر الميادين نبلًا كالميادين الرياضية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى