محمد الزيني يكتب : أنا ابنُ «عباس» وأفتخر.. تسعُ سنواتٍ على رحيلِ أبي

في الذكرى التاسعة لرحيل أبي، تقفُ الكلماتُ عاجزةً أمام فضلٍ أسبغه الله عليَّ بوجود هذا الرجل في حياتي. دينٌ في عنقي لله أولاً، ثم لأبٍ كريمٍ حنون، لولاه – بعد توفيق الله – ما بلغتُ ما أنا فيه اليوم من توفيقٍ ونجاح. لقد كان لي ولإخوتي السندَ الذي لا يميل، والداعمَ الأكبر في تعليمنا وتربيتنا؛ فمن كان لديه أبٌ كأبي… فليأتِني به.
لم تكن عظمة أبي مجرد مشاعر نعيشها في حياته، بل كانت حقائق تكشّفت لنا أكثر بعد رحيله؛ إذ أزاحت الأيامُ الستار عن أسرارٍ خفية، وأعمالِ برٍّ لم نكن نعرف عنها شيئاً. كشفنا رعايته الخفية لأسرٍ من اليتامى والأرامل والفقراء، ودوره البارز في حماية بيوتٍ كانت على وشك الخراب والانفصال.
كان – رحمه الله – صاحب مدرسةٍ فريدة في المجالس العرفية؛ فكان يشترط لمشاركته في أي جلسة صلح وجود رغبة واستعداد صادق بين الطرفين لرأب الصدع. وما إن يدخل مجلساً، حتى تهيمن الهيبة والحكمة، وما هي إلا ساعاتٌ معدودة حتى تلتئم الشمل، وتعود الحياة إلى مجراها بين الزوجين المتخاصمين.
أفخرُ بأبي فخراً لا تسعه الدنيا، وأعتزُّ بما تركه من أثرٍ ومناقب جمّة شهد بها الجميع. وفي ختام حياته الحافلة، ابتلاه الله بجلطتين؛ الأولى على القلب والثانية على اللسان. ورغم أن المرض حرمه من القدرة على الكلام في أواخر أيامه، إلا أن المعجزة تجلّت في أن لسانه – وهو المهندس المدني والمعماري البارع الذي لا يُشقّ له غبار – عجز عن نطق أي كلمة، باستثناء عبارة واحدة: “سبحان الله”.
إذا أراد أن يأكل قال: “سبحان الله”، وإذا أراد أن يشرب قال: “سبحان الله”؛ فصارت حياته كلها تسبيحاً وذكراً لا ينقطع.
أما الخاتمة، فكانت تتويجاً لعلاقته الاستثنائية بصديق عمره: «المسجد». ذلك المكان الذي لم يكن يفارقه قط، حتى يخيل للمرء أن المسجد هو من يسعى إليه لشدة ما بينهما من ارتباطٍ جسدي ووجداني. وفي يومه الأخير، وفي صلاة العصر، وتحديداً في الركعة الثالثة داخل المسجد، فاضت روحه إلى بارئها وهو ساجد بين يدي ربه.
إن قصص أبي وحكاياته مع المساجد، ودعمه للفقراء، وجلسات الصلح ذات الأثر، تضم بين طياتها من العِبر والكرامات ما يحتاج إلى وقفاتٍ أخرى ممتعة ومفصلة سأرويها لاحقاً…
رحم الله أبي، وجزاه عنّا خير الجزاء.. أنا ابنُ عباس، وأفتخر.


